الوجه الثالث : أنه يمكن القول : بعد التسليم بكون الوديان هي الأفكار الضالة : أن مجرد خطور الفكرة الضالة على الذهن أو محاولة جلبها أو استعمالها الذهني ، ليس باطلا ولا ضلالا . إذ لعل ذلك يكون طريقا إلى الحق وإلى استنتاج ما هو صحيح . وإنما الباطل هو الإيمان بالفكرة الضالة والقناعة بها ، أو محاولة إقناع الآخرين بها ، كما هو معلوم . وكل ذلك غير مفروض في الآية .
الوجه الرابع : من ناحية أنهم يقولون ما لا يفعلون . فإن ذلك قد لا يكون رذيلة مضادة للفضيلة ، بل يمكن أن تكون له وجوه عديدة من الصحة .
أولا : إنهم يقولون الباطل ولا يفعلونه .
ثانيا : إنهم يقولون الحق ولا يفعلونه لأنهم خارجون عنه موضوعا . أو لا يحتاجونه في حياتهم الخاصة . كمن يعرف وجوب الحج للمستطيع مع أنه ليس بمستطيع . فلا يشمله وجوب الحج الذي يتكلم عنه .
ثالثا : إنهم يقولون الحق ولا يفعلونه ، لأنهم لا يحتاجون إليه باعتبار أنهم أعلى مستوي أو أدنى مستوي في مقامهم الإيماني من مقدار بيانهم وقولهم . وإنما ينفع قولهم من يناسب مقامه الإيماني . وهم إنما ينفعهم أمر آخر غير ما يقولونه .
الجهة الرابعة : من الاستدلال لهذا الغرض بالآية الكريمة : قوله تعالى :
* ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا ا للهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) * .
فإن السياق مشعر بأن هؤلاء الممدوحين في هذه الفقرة ، هم غير الشعراء الذين سبق ذكرهم في الآية . أذن فالشعراء ليسوا من الممدوحين .
وإنما يكون منهم إذا أعرضوا عن صفتهم تلك وتابوا عنها * ( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا ا للهَ كَثِيراً ) * .
ما وراء الفقه — صفحة 100
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٠