منثورا ، بل حتى لو كان داخل النفس ولم يبيّنه صاحبه بأي كلام . وهذا معنى غير معنى الشعر المتعارف .
فإن قيل : إن الأحاسيس النفسية والخلجات القلبية ليست كلها مذمومة بل فيها ما هو حق وصحيح ، فلما ذا تكون مذمومة في الآية :
قلنا : كلا . فإن المذموم فيها ما هو باطل ، لا ما هو حق . بدليل قوله تعالى * ( يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) * . وغير ذلك . وحتى لو كان لها شمول وإطلاق لكلا القسمين أمكن إخراج العواطف المحقة من تحت الذم باليقين ، بحسب أدلتها التي تخصص إطلاق الآية الكريمة .
الوجه الثاني : إن الغواية وإن كانت في اللغة ضد الهداية ، إلَّا أننا يمكن أن نحمل معناها على معنى العواطف الجياشة والحماس المتزائد لأي أمر من أمور الدنيا والآخرة . فلا يتعين إرادة الضلال منها . بل لا أقل من أن يكون هناك إطلاق شامل لكلا الشكلين من العاطفة ، كإطلاق الذي ذكرناه من الشعراء نفسه . بل سيكون لفظ الشعراء بمنزلة القرينة المتصلة على هذا الفهم .
ومن المعلوم أن ذوي العواطف الضالة يتبع بعضهم بعضا وذوي العواطف المحقة يتبع بعضهم بعضا . ولا يتعين في الآية مجرد الاتباع على الضلال .
الوجه الثالث : إننا لو تنزلنا وقبلنا اختصاص الغواية بالضلال . فهذا لا يلازم أن الشعراء يكونون أشد غواية ممن يتبعهم من الغاوين كما ذكرنا في أصل الاستدلال من هذه الجهة . وما ذنب الفرد إذا اتبعه شخص ضال .
فإن الآية بالتأكيد خالية من الإشارة إلى أن اتباع الغاوين للشعراء إنما هو على الغواية والضلال . بل ظاهرها اتباعهم على الشعر وهو العاطفة ، وقد عرفنا أنه شامل للعاطفة الصحيحة والعاطفة الباطلة ، وغير مختص بالباطلة لا محالة .
ما وراء الفقه — صفحة 97
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٩٧