ومعه لا يبقى في هذه الروايات الثلاث ما هو حجة أصلا .
الجهة الثالثة : قد يقال : إنه يمكن تتميم حجية هذه الروايات عن طريق عمل المشهور بها . باعتبار أن عمل المشهور جابر لضعف السند ، كما يعبرون . إلَّا أن هذا الكلام مطعون كبرى وصغرى . أما من جهة الصغرى فلم يثبت عمل المشهور بهذه الروايات ، إذ قل من تعرض لهذه الفتوى من المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء . فكيف يثبت عمل المشهور بها وفتواهم على طبقها .
على أننا سوف نقول إن ظاهرها الحرمة ، فالعمل بها إنما يكون إذا أفتوا بالحرمة ، وهذا مما لم يقل به أحد قطعا . وأما الفتوى والكراهة فله وجه آخر سنناقشه . وعلى أي حال فلا يكون ذلك من قبيل العمل بالرواية . لأنه يتضمن إعراضا عن ظاهرها الحقيقي .
وأما من جهة الكبرى فللمناقشة في أن عمل المشهور هل يكون جابرا لضعف السند أم لا . وبحثه في علم أصول الفقه . غير أن المتيقن أن الشهرة الضعيفة لا تكون جابرة جزما . ومن المعلوم في مسألتنا هذه أن الشهرة لو كانت موجودة فهي ضعيفة جزما . فلا يمكن أن تكون جابرة لضعف السند .
الجهة الرابعة : إنه قد يقال : إنه يمكن الأخذ بهذه الروايات من باب التسامح بأدلة السنن . وهذا ما لا نحتاج معه إلى حجية السند ، بل يكفي فيه وجود الرواية كيفما كان حالها .
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر أهمها :
الوجه الأول : إن ما التزم به الفقهاء في عدد من الموارد من حمل النهي على الكراهة مع ضعف سنده . مع كونه ظاهرا بالحرمة بالأصل . ومسألتنا من هذا القبيل . متوقف على ما يذكر في علم الأصول في أن النهي هل هو زجر بسيط أو مركب من مطلق الزجر مع فصله الذي هو العقوبة على الترك وهو المنتج للحرمة . فإذا لم يثبت هذا الفصل لضعف السند ، بقي ظهورها بمطلق الزجر ثابتا ، فتكون موضوعا لأدلة التسامح .
إلَّا أن الصحيح هو كون النهي بسيطا عرفا وليس مركبا . وتركيبه المنطقي لا
ما وراء الفقه — صفحة 227
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٢٧