هذا . وقد يوجد غاصب حسن النيّة والقصد ، كما لو غصب شيئا من شخص آخر بقصد المحافظة على المال . لأنه كان مقتنعا أنه لو بقي تحت يد مالكه لتلف . فأخذه منه غصبا ( أعني مع تحقق الكراهة والنهي ) لأجل الحفاظ عليه . ولم يكن المالك مدركا لتلك المصلحة ، ومن هنا كان كارها .
إلَّا أن المستقبل كشف عن صدق نية الغاصب .
وهذا العمل حرام شرعا ، فإن الفرد غير مكلف بالمحافظة على أموال الغير زائدا على قناعة المالك نفسه وإمكاناته . ولو فعله كان غاصبا لتحقق الكراهة سواء حصل النهي الصريح من المالك أو لم يحصل . ويكون مشمولا للحكم العام للغاصب وهو الضمان حتى مع عدم التعدي والتفريط .
وأما كونه مشمولا للتشددات الفقهية المتزايدة التي أشرنا إليها .
كقولهم : الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال ونحوها . فالظاهر عدم شموله لها ، لأنها معقد الإجماع أو الشهرة لا الدليل اللفظي ، فتكون خارجة عن دائرة القدر المتيقن له . فإن القدر المتيقن من الغاصب الذي يؤخذ بأشق الأحوال هو الغاصب بسوء نيّة ، أو قل : هو : الغاصب لمصلحته لا لمصلحة المالك .
فإن كان الفرد غاصبا بحسن نية أو لمصلحة المالك خرج عن القدر المتيقن ، ومن ثم لم يجز أخذه بأشق الأحوال .
التعدي والتفريط في العمل
عرفنا أنه كما يمكن أن يحصل التعدي والتفريط في المال المملوك للغير ، كذلك يمكن أن يحصلا في العمل .
وكل عامل اتفق مع المالك بمعاملة معينة ، فهو أمين ، يشمله حكمه وهو عدم الضمان إلَّا بالتعدي والتفريط . كالخياط الذي يخيط ثوبك ، أو الخباز الذي يخبز طحينك والفلاح الذي يزرع أرضك والتاجر الذي يتاجر بأموالك . وكذلك الطبيب الذي يداويك والخاتن والمضمد وغيرهم فإنهم جميعا طرف لمختلف المعاملات . وقد تصرفوا بالمال أو الجسد بإذن أصحابها .