أحدهما مقام المعرفة في مرتبة أصول الدين إذ الشيطان عدو مبين ، فهو في
مرصاد عباد الله المؤمنين ليوقعهم في الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي ، فهو في
جميع حالات الحياة الدنيوية يريد إغواء الانسان بالوساوس النفسانية ،
والهواجس الشيطانية ، ليوقعه في الحيرة والضلالة في أمر المعرفة وتحصيل أصول
الدين الذي هو مبنى الشريعة ، فان فات ذلك منه ويئس انتظر لذلك إلى أن يتراكم
على الانسان شدائد سكرات الموت ، والأهوال الطارئة له عند الفوت ، فينتهز
الفرصة ليوقعه حينئذ في الشبهة ، ويخرجه من الدنيا كافرا مستحقا للعذاب الأبدي
في البرزخ والآخرة .
فرب عابد زاهد في مدة عمره لم يتسلط عليه الشيطان بالمرة ، تسلط عليه
عند الموت فأوبقه وأهلكه ، كالعابد برصيصا ( 1 ) وغيره ، ولهذا ورد ان الايمان
قسمان : ايمان مستقر وايمان مستودع ( 2 ) ، والثاني هو الذي يسلب عند الموت من
جهة اغواء الشيطان وتلبيسه في تلك الحالة .
وورد دعاء العديلة دفعا لتلك الرزية ، والعديلة اسم شيطانة موكلة من جانب
إبليس ليعدل الانسان حين الموت من الاعتقاد الحق إلى الباطل ، فعيلة بمعنى
هامش
( 1 ) روى في البحار 14 : 486 ، عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل عابد اسمه برصيصا ، عبد الله زمانا
من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يده ، وانه أتى بامرأة في شرف قد
جنت ، وكان لها اخوة فأتوه بها وكانت عنده ، فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت ، فلما
استبان حملها قتلها ودفنها ، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد اخوتها ، فأخبره بالذي فعل
الراهب وانه دفنها في مكان كذا ، ثم أتى بقية اخوتها رجلا رجلا فذكر ذلك له ، فجعل الرجل يلقى أخاه
فيقول : والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئا يكبر علي ذكره ، فذكره بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم ،
فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل ، فأمر به فصلب ، فلما رفع على خشبته تمثل له
الشيطان فقال : أنا الذي ألقيتك في هذا ، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك ، أخلصك مما أنت فيه ؟ قال : نعم ،
قال : اسجد لي سجدة واحدة ، فقال : كيف اسجد لك وأنا على هذه الحالة ؟ فقال : أكتفي منك بالايماء ،
فأومأ له بالسجود ، فكفر بالله وقتل الرجل .
( 2 ) عقد العلامة المجلسي بابا مستقلا في البحار ج 69 ص 212 ، تحت هذا العنوان ، فراجع .