مُجْرى القافية في الوقوف عليها ، وأَنت ترى الرُّواةَ أَكثرَهم على إِطلاقِ هذه القصيدة ونحوها بحرف اللِّين نحو قوله فحَوْمَلي ومَنْزِلي ، فقوله كُتَيْفة ليس على وقف الكلام ولا وَقْفِ القافيةِ ؟ قيل : الأَمرُ على ما ذكرته من خلافِه له ، غير أَنَّ الأَمر أَيضاً يختص المنظوم دون المَنْثُور لاستمرار ذلك عنهم ؛ أَلا ترى إِلى قوله :
أَنَّى اهْتَدَيْتَ لتَسْلِيمٍ على دِمَنٍ ، * بالغَمْرِ ، غَيَّرَهُنَّ الأَعْصُرُ الأُوَلُ
وقوله :
كأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ ، غُدْوةً ، * خَلايا سَفِينٍ بالنَّواصِفِ مِنْ دَدِ
ومثله كثير ، كلُّ ذلك الوُقوفُ على عَرُوضِه مخالف للوُقوف على ضَرْبه ، ومخالفٌ أَيضاً لوقوف الكلام غير الشعر .
وقال الكسائي : لم أَسمعهم يلقون الواو والياء عند غير الأَلف ، وتَثْنِيَتُه هما وجمعُه هُمُو ، فأَما قوله هُم فمحذوفة من هُمُو كما أَن مُذْ محذوفة من مُنْذُ ، فأَما قولُك رأَيْتُهو فإِنَّ الاسام إِنما هو الهاء وجئ بالواو لبيان الحركة ، وكذلك لَهْو مالٌ إِنما الاسم منها الهاء والواو لما قدَّمنا ، ودَلِيلُ ذلك أَنَّك إِذا وقفت حذفت الواو فقلت رأَيته والمالُ لَه ، ومنهم من يحذفها في الوصل مع الحركة التي على الهاء ويسكن الهاء ؛ حكى اللحياني عن الكسائي : لَه مالٌ أَي لَهُو مالٌ ؛ الجوهري : وربما حذفوا الواو مع الحركة .
قال ابن سيده : وحكى اللحياني لَه مال بسكون الهاء ، وكذلك ما أَشبهه ؛ قال يَعْلَى بن الأَحْوَلِ :
أَرِقْتُ لِبَرْقٍ دُونَه شَرَوانِ * يَمانٍ ، وأَهْوَى البَرْقَ كُلَّ يَمانِ
فظَلْتُ لَدَى البَيْتِ العَتِيقِ أُخِيلُهو ، * ومِطْوايَ مُشْتاقانِ لَه أَرِقانِ
فَلَيْتَ لَنا ، مِنْ ماء زَمْزَمَ ، شَرْبةً * مُبَرَّدةً باتَتْ على طَهَيانِ
قال ابن جني : جمع بين اللغتين يعني إِثْبات الواو في أُخِيلُهو وإِسكان الهاء في لَه ، وليس إِسكان الهاء في له عن حَذْف لَحِقَ الكلمة بالصنعة ، وهذا في لغة أَزْد السَّراة كثير ؛ ومثله ما روي عن قطرب من قول الآخر :
وأَشْرَبُ الماء ما بي نَحْوَهُو عَطَشٌ * إِلَّا لأَنَّ عُيُونَه سَيْلُ وادِيها
فقال : نَحْوَهُو عطش بالواو ، وقال عُيُونَه بإِسكان الواو ؛ وأَما قول الشماخ :
لَه زَجَلٌ كأَنَّهُو صَوْتُ حادٍ ، * إِذا طَلَبَ الوَسِيقةَ ، أَوْ زَمِيرُ
فليس هذا لغتين لأَنا لا نعلم رِوايةً حَذْفَ هذه الواوِ وإِبقاء الضمةِ قبلها لُغةً ، فينبغي أَن يكون ذلك ضَرُورةً وصَنْعةً لا مذهباً ولا لغة ، ومثله الهاء من قولك بِهِي هي الاسم والياء لبيان الحركة ، ودليل ذلك أَنك إِذا وقفت قلت بِه ، ومن العرب من يقول بِهِي وبِه في الوصل .
قال اللحياني : قال الكسائي سمعت أَعراب عُقَيْل وكلاب يتكلمون في حال الرفع والخفض وما قبل الهاء متحرك ، فيجزمون الهاء في الرفع ويرفعون بغير تمام ، ويجزمون في الخفض ويخفضون بغير تمام ، فيقولون : إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّه لَكَنُودٌ ، بالجزم ، ولِرَبِّه لكَنُودٌ ، بغير تمام ، ولَه مالٌ ولَه مالٌ ، وقال : التمام أَحب إِليَّ ولا ينظر في هذا إِلى جزم ولا غيره لأَنَّ الإِعراب إِنما
لسان العرب — صفحة 477
مساهمون: ابن منظور
ص٤٧٧