الناس كلُّهم لك حامدُون إلَّا الظالِمَ لك المعتدي ، فإن ذلك لا يُعتدُّ بتركه الحمد لموضع العداوة ، وكذلك الظالم لا حجة له وقد سمي ظالماً ؛ قال أَبو منصور : وهذا صحيح ، والذي ذهب إليه الزجاج فقال بعدما ذكر قول أَبي عبيدة والأَخفش : القول عندي في هذا واضح ، المعنى لئلَّا يكونَ للناس عليكم حجةٌ إلَّا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له ، كما تقول ما لَكَ عليَ حجةٌ إلَّا الظلمُ وإلَّا أن تَظْلِمَني ، المعنى ما لك عليَّ حجةٌ البتة ولكنك تَظلِمُني ، وما لك عليَّ حجةٌ إلَّا ظُلمي ، وإنما سَمَّى ظلمه هنا حجة لأَن المحتج به سماه حجةً ، وحُجَّتُه داحضة عند الله ، قال الله تعالى : حُجَّتهم داحضةٌ عند ربهم ؛ فقد سميت حجةً إلَّا أَنها حجةُ مُبْطِل ، فليست بحجة موجبة حقًّا ، قال : وهذا بيان شافٍ إن شاء الله تعالى .
وأَما قوله تعالى : لا يَذُوقُون فيها الموتَ إلَّا المَوْتَةَ الأُولى ، وكذلك قوله تعالى : ولا تَنْكِحوُا ما نَكَح آباؤكم من النساء إلَّا ما قد سَلَفَ ؛ أَراد سوى ما قد سلف .
وأَما قوله تعالى : فلولا كانت قريةٌ آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلَّا قَوْمَ يُونُسَ ؛ فمعناه فهَلَّا كانت قريةٌ أَي أَهلُ قرية آمنُوا ، والمعنى معنى النفي أَي فما كانت قريةٌ آمنوا عند نزول العذاب بهم فنفعها إيمانها ، ثم قال : إلا قومَ يونسَ ، استثناء ليس من الأَوّل كأَنه قال : لكن قومُ يُونُسَ لمَّا آمنُوا انقطعوا من سائر الأُمم الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم عند نزول العذاب بهم ؛ ومثله قول النابغة :
عَيّتْ جَواباً ، وما بالرَّبْع * من أَحدٍ إلَّا أَواريَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها ( 1 ) فنصَب أَواريَّ على الانقطاع من الأَوّل ، قال : وهذا قول الفراء وغيره من حذاق النحويين ، قال : وأَجازوا الرفع في مثل هذا ، وإن كان المستثنى ليس من الأَوّل وكان أَوّله منفيًّا يجعلونه كالبدل ؛ ومن ذلك قول الشاعر :
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ * إلا اليَعافِيرُ وإلَّا العِيسُ
ليست اليَعافيرُ والعِيسُ من الأَنِيس فرفَعَها ، ووجْه الكلام فيها النَّصبُ .
قال ابن سلام : سأَلت سيبويه عن قوله تعالى : فلولا كانت قريةٌ آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلَّا قَومَ يُونُسَ ، على أَيّ شيء نصب ؟ قال إذا كان معنى قوله إلَّا لكنْ نُصب ، قال الفراء : نُصب إلا قومَ يونس لأَنهم منقطعون مما قبل إذ لم يكونوا من جِنْسه ولا من شَكْله ، كأَن قومَ يونس منقطعون من قَوْمِ غيره من الأَنبياء ، قال : وأَمَّا إلَّا بمعنى لمَّا فمِثل قول الله عز وجل : إنْ كللٌّ إلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ؛ وهي في قراءة عبد الله إنْ كُلُّهم لمَّا كذَّبَ الرُّسُلَ ، وتقول : أَسأَلُك بالله إلَّا أَعْطَيْتَني ولَمَّا أَعطيتني بمعنى واحد .
وقال أَبو العباس ثعلب : وحرف من الاستثناء تَرفع به العربُ وتَنْصِبُ لغتان فصيحتان ، وهو قولك أَتاني إخْوَتُك إلَّا أن يكون زيداً وزيدٌ ، فمن نَصب أَراد إلَّا أَن يكون الأَمْرُ زيداً ، ومن رفع به جعل كان ههنا تامة مكتفية عن الخبر باسمها ، كما تقول كان الأَمر ، كانت القصة .
وسئل أَبو العباس عن حقيقة الاستثناء إذا وقع بإلا مكرّراً مرتين أَو ثلاثاً أَو أَربعاً فقال : الأَوّل حَطٍّ ، والثاني زيادةٌ ، والثالث حَطٍّ ، والرابع زيادة ، إلا أَن تجعل بعض إلَّا إذا جُزْت الأَوّل بمعنى الأَوّل فيكون ذلك الاستثناء زيادة لا غير ، قال : وأَما قول أَبي عبيدة في إلَّا الأُولى إنها تكون بمعنى الواو فهو خطاً عند الحذاق .
وفي حديث أنس ، رضي الله عنه : أَن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال
هامش
( 1 ) قوله [ عَيَّت جواباً الخ هو عجز بيت صدره : وقفتُ فيها أَصَيلاناً أُسائلها . وقوله : إلا الأَواريّ الخ هو صدر بيت عجزه :
والنُؤيَ كالحَوضِ في المظلومةِ الجَلَدِ
.