واسْتَرْهَبَه : اسْتَدْعَى رَهْبَتَه حتى رَهِبَه الناسُ ؛ وبذلك فسر قوله عز وجل : واسْترْهَبُوهُم وجاؤُوا بسحْرٍ عظيمٍ ؛ أَي أَرْهَبُوهم .
وفي حديث بَهْز بن حَكِيم : إِني لأَسمع الرَّاهِبةَ .
قال ابن الأَثير : هي الحالة التي تُرْهِبُ أَي تُفْزِعُ وتُخَوِّفُ ؛ وفي رواية : أَسْمَعُك راهِباً أَي خائفاً .
وتَرَهَّب الرجل إِذا صار راهِباً يَخْشَى اللَّه .
والرَّاهِبُ : المُتَعَبِّدُ في الصَّوْمعةِ ، وأَحدُ رُهْبانِ النصارى ، ومصدره الرَّهْبةُ والرَّهْبانِيّةُ ، والجمع الرُّهْبانُ ، والرَّهابِنَةُ خطأٌ ، وقد يكون الرُّهْبانُ واحداً وجمعاً ، فمن جعله واحداً جعله على بِناءِ فُعْلانٍ ؛ أَنشد ابن الأَعرابي :
لو كَلَّمَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ، * لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعَى ، فنَزَلْ
قال : ووجه الكلام أَن يكون جمعاً بالنون ؛ قال : وإِن جمعت الرُّهبانَ الواحد رَهابِينَ ورَهابِنةً ، جاز ؛ وإِن قلت : رَهْبانِيُّون كان صواباً .
وقال جرير فيمن جعل رهبان جمعاً :
رُهْبانُ مَدْيَنَ ، لو رَأَوْكَ ، تَنَزَّلُوا ، * والعُصْمُ ، من شَعَفِ العقُولِ ، الفادِرُ
وَعِلٌ عاقِلٌ صَعِدَ الجبل ؛ والفادِرُ : المُسِنُّ من الوُعُول .
والرَّهْبانيةُ : مصدر الراهب ، والاسم الرَّهْبانِيَّةُ .
وفي التنزيل العزيز : وجعَلْنا في قُلُوب الذين اتَّبَعُوه رَأْفةً ورَحْمةً ورَهْبانيَّةً ابْتَدَعوها ، ما كَتَبْناها عليهم إِلا ابتغاء رِضوانِ اللَّه .
قال الفارسي : رَهْبانِيَّةً ، منصوب بفعل مضمر ، كأَنه قال : وابْتَدَعُوا رَهْبانيَّةً ابْتَدَعوها ، ولا يكون عطفاً على ما قبله من المنصوب في الآية ، لأَن ما وُضِعَ في القلب لا يُبْتَدَعُ .
وقد تَرَهَّبَ .
والتَّرَهُّبُ : التَّعَبُّدُ ، وقيل : التَّعَبُّدُ في صَوْمَعَتِه .
قال : وأَصلُ الرَّهْبانِيَّة من الرَّهْبةِ ، ثم صارت اسماً لِما فَضَل عن المقدارِ وأَفْرَطَ فيه ؛ ومعنى قوله تعالى : ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ، قال أَبو إِسحق : يَحتمل ضَرْبَيْن : أَحدهما أَن يكون المعنى في قوله [ ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ] وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، كما تقول رأَيتُ زيداً وعمراً أَكرمته ؛ قال : ويكون [ ما كتبناها عليهم ] معناه لم تُكتب عليهم البَتَّةَ .
ويكون [ إِلا ابتغاءَ رِضوان اللَّه ] بدلَا من الهاءِ والأَلف ، فيكون المعنى : ما كَتَبْنا عليهم إِلا ابتغاءَ رِضوانِ اللَّه .
وابتغاءُ رِضوانِ اللَّه ، اتِّباعُ ما أَمَرَ به ، فهذا ، واللَّه أَعلم ، وجه ؛ وفيه وجه آخر : ابتدعوها ، جاءَ في التفسير أَنهم كانوا يَرَوْن من ملوكهم ما لا يَصْبِرُون عليه ، فاتخذوا أَسراباً وصَوامِعَ وابتدعوا ذلك ، فلما أَلزموا أَنفسهم ذلك التَّطَوُّعَ ، ودَخَلُوا فيه ، لَزِمَهم تمامُه ، كما أَن الإِنسانَ إِذا جعل على نفسِه صَوْماً ، لم يُفْتَرَضْ عليه ، لزمه أَن يُتِمه .
والرَّهْبَنَةُ : فَعْلَنَةٌ منه ، أَو فَعْلَلَةٌ ، على تقدير أَصْلِيَّةِ النون وزيادتها ؛ قال ابن الأَثير : والرَّهْبانِيَّةُ مَنْسوبة إِلى الرَّهْبَنةِ ، بزيادة الأَلف .
وفي الحديث : لا رَهْبانِيَّةَ في الإِسلام ، هي كالاخْتِصاءِ واعْتِناقِ السَّلاسِلِ وما أَشبه ذلك ، مما كانت الرَّهابِنَةُ تَتَكَلَّفُه ، وقد وضعها اللَّه ، عز وجل ، عن أُمة محمد ، صلى اللَّه عليه وسلم .
قال ابن الأَثير : هي من رَهْبَنةِ النصارى .
قال : وأَصلها من الرَّهْبةِ : الخَوْفِ ؛ كانوا يَتَرَهَّبُون بالتَّخَلي
لسان العرب — صفحة 437
مساهمون: ابن منظور
ص٤٣٧