مَن يرفعه ، وفيه مع ذلك معنى النصب ، كما أَنَّ في قولهم : رَحْمَةُ اللَّه عليه ، معنى رَحِمه اللَّه .
وفي الحديث : أَن النبي ، صلى اللَّه عليه وسلم ، قال : تُنْكَحُ المرأَةُ لمِيسَمِها ولمالِها ولِحَسَبِها فعليكَ بِذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَداكَ .
قال أَبو عبيد : قوله تَرِبَتْ يداكَ ، يقال للرجل ، إذا قلَّ مالُه : قد تَرِبَ أَي افْتَقَرَ ، حتى لَصِقَ بالتُّرابِ .
وفي التنزيل العزيز : أَو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ .
قال : ويرَوْنَ ، واللَّه أَعلم أَنّ النبيّ ، صلى اللَّع عليه وسلم ، لم يَتَعَمَّدِ الدُّعاءَ عليه بالفقرِ ، ولكنها كلمة جارِيةٌ على أَلسُنِ العرب يقولونها ، وهم لا يُريدون بها الدعاءَ على المُخاطَب ولا وُقوعَ الأَمر بها .
وقيل : معناها للَّه دَرُّكَ ؛ وقيل : أَراد به المَثَلَ لِيَرى المَأْمورُ بذلك الجِدَّ ، وأَنه إن خالَفه فقد أَساءَ ؛ وقيل : هو دُعاءٌ على الحقيقة ، فإنه قد قال لعائشة ، رضي اللَّه عنها : تَربَتْ يَمينُكِ ، لأَنه رأَى الحاجة خيراً لها .
قال : والأَوّل الوجه .
ويعضده قوله في حديث خُزَيْمَة ، رضي اللَّه عنه : أَنْعِم صباحاً تَرِبَتْ يداكَ ، فإنَّ هذا دُعاءٌ له وتَرْغيبٌ في اسْتِعْماله ما تَقَدَّمَتِ الوَصِيَّةُ به .
أَ لا تراه قال : أَنْعِم صِباحاً ، ثم عَقَّبه بتَرِبَتْ يَداكَ .
وكثيراً تَرِدُ للعرب أَلفاظ ظاهرها الذَّمُّ وإنما يُريدون بها المَدْحَ كقولهم : لا أَبَ لَكَ ، ولا أُمَّ لَكَ ، وهَوَتْ أُّمُّه ، ولا أَرضَ لك ، ونحوِ ذلك .
وقال بعضُ الناس : إنَّ قولهم تَرِبَتْ يداكَ يريد به اسْتَغْنَتْ يداكَ .
قال : وهذا خطأٌ لا يجوز في الكلام ، ولو كان كما قال لقال : أَتْرَبَتْ يداكَ .
يقال أَتْرَبَ الرجلُ ، فهو مُتْرِبٌ ، إذا كثر مالُه ، فإذا أَرادوا الفَقْرَ قالوا : تَرِبَ يَتْرَبُ .
ورجل تَرِبٌ : فقيرٌ .
ورجل تَرِبٌ : لازِقٌ بالتُّراب من الحاجة ليس بينه وبين الأَرض شيءٌ .
وفي حديث أَنس ، رضي اللَّه عنه : لم يكن رسولُ اللَّه ، صلى اللَّه عليه وسلم ، سَبَّاباً ولا فَحَّاشاً .
كان يقولُ لأَحَدنا عند المُعاتَبةِ : تَرِبَ جَبِينُه .
قيل : أَراد به دعاءً له بكثرة السجود .
وأَما قوله لبعض أَصْحابه : تَرِبَ نَحْرُكَ ، فقُتِل الرجُل شهيداً ، فإنه محمول على ظاهره .
وقالوا : الترابُ لكَ ، فرَفَعُوه ، وإن كان فيه معنى الدعاء ، لأَنه اسم وليس بمصدر ، وليس في كلِّ شيءٍ من الجَواهِر قيل هذا .
وإذ امتنع هذا في بعض المصادر .
فلم يقولوا : السَّقْيُ لكَ ، ولا الرَّعْيُ لك ، كانت الأَسماء أَوْلى بذلك .
وهذا النوعُ من الأَسماء ، وإن ارْتَفَعَ ، فإنَّ فيه معنى المنصوب .
وحكى اللحياني : التُّرابَ للأَبْعَدِ .
قال : فنصب كأَنه دعاء .
والمَتْرَبةُ : المَسْكَنةُ والفاقةُ .
ومِسْكِينٌ ذُو مَتْرَبةٍ أَي لاصِقٌ بالتراب .
وجمل تَرَبُوتٌ : ذَلُولٌ ، فإمَّا أَن يكون من التُّراب لذلَّتِه ، وإما أَن تكون التاء بدلًامن الدال في دَرَبُوت من الدُّرْبةٍ ، وهو مذهب سيبويه ، وهو مذكور في موضعه .
قال ابن بري : الصواب ما قاله أَبو علي تَرَبُوتٍ أَنّ أَصله دَرَبُوتٌ من الدربة ، فأَبدل من الدال تاء ، كما أَبدلوا من التاء دالاً في قولهم دَوْلَجٌ وأَصله تَوْلَجٌ ، ووزنه تَفْعَلٌ من وَلَجَ ، والتَّوْلَجُ : الكِناسُ الذي يَلِجُ فيه الظبي وغيره من الوَحْش .
وقال اللحياني : بَكْرٌ تَرَبُوتٌ : مُذَلَّلٌ ، فَخصَّ به البَكْر ، وكذلك ناقة تَرَبُوت ، قال : وهي التي إذا أُخِذَتْ بِمِشْفَرِها أَو بُهدْب عينها تَبِعَتْكَ .
قال وقال الأَصمعي : كلُّ ذَلُولٍ من الأَرض وغيرها تَرَبُوتٌ ، وكلُّ هذا من التُّراب ، الذكَرُ والأُنثى فيه سواءٌ .
لسان العرب — صفحة 229
مساهمون: ابن منظور
ص٢٢٩