تلك التقريعات الشديدة التي منها قوله عز وجل : ولن تفعلوا ، فما
فعلوا وما قدروا ، مع أنهم شاؤوا أن يفعلوا . وثالثة قالوا كما في
القرآن : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " ( 1 )
أي عارضوه باللغو والباطل عند قراءته ( صلى الله عليه وآله ) القرآن ، حتى لا يسمع
الآخرون كلامه ، وهل يتوسل باللغو والباطل في مقام المعارضة
والاحتجاج إلا العاجز . ورابعة قالوا : إنه سحر ، وغير ذلك من الأقوال
الفاسدة الكاسدة ، كقولهم في حقه صلى الله عليه وآله : إنه كاهن ، أو مجنون ، أو
شاعر ، التي قد أقر شيوخهم ورؤسائهم في هذه الصناعة ببطلانها واعترف
المتقدم منهم والمتأخر بأن كلام محمد صلى الله عليه وآله ( أي القرآن ) ما هو من
كلام الإنس والجن ، أوليس من جنس كلام البشر .
فقد ورد : أن الوليد بن المغيرة - وهو المقدم في قريش فصاحة ،
وكان يقال له ريحانة قريش ، ويقال له الوحيد ، أي في الشرف والسؤدد والجاه
والرئاسة ( 2 ) - اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم
فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم
عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ،
ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ، قالوا :
فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع
قالوا نقول : كاهن ، قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزة
شرح
1 - سورة فصلت ، آية 26 .
2 - السيرة الحلبية ، جزء 1 ، ص 356 ، ط مصر . - والسيرة الدحلانية ، المطبوعة
بهامش السيرة الحلبية المذكورة ، جزء 1 ، ص 234 .