بعدها ، كما قال به بعض الفلاسفة : وهو ذيمقراطيس ، فان مذهبه أن
مبادئ العالم ، أجرام صغار صلبه غير منقسمة ، متفقة في الطبيعة ، مختلفة
في الأشكال ، وحيث أن الأجسام مع اتحادها في الجسمية المشتركة ، لا
يمكن أن تكون مختلفة في الطبيعة والآثار ، أسند اختلاف كليات الأجسام
من المائية ، والنارية ، وغيرهما ، باختلاف أشكالها . ببيان : أن الأجزاء
الكروية الشكل مبادئ للماء ، والمثلثات منها للنار ، وهكذا . ورد
بأن اختلاف تلك الأجرام في الأشكال مع اتحادها في الطبيعة المشتركة
ممتنع .
وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له : " لم
يخلق الأشياء من أصول أزلية ، ولا من أوائل كانت قبله ( أي قبل خلق
الأشياء ) بدية ، بل خلق ما خلق ، وأتقن خلقه ، وصور ما صور ، فأحسن
صورته " ( 1 ) بل المراد من هذه الأصول ، والفروع الموجودة بعدها :
أنه تعالى ، أوجد في العالم السفلي ، ما يشابه ويماثل في الماهية ، لما
أوجده في العالم الأعلى ، كما في القرآن " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه
وما ننزله إلا بقدر معلوم " ( 2 ) وليس المراد من هذه الخزائن ، أن هذا
الشيء مع أمثاله بهذه الكيفية ، موجود في عالم الفوق ، كما هو واضح ،
بل المراد منها : أن هذا الشئ وغيره موجود في ذلك العالم بصورة
أخرى ، إذا تنزلت - أي وجدت في هذا العالم - يصير ذلك الشئ
كالكلي المنطقي مع أفراده ، وخاتم ينطبع منه أمثال ما هو منقوش فيه ،
في محال من القراطيس ، وغيرها ، وهو على حاله ، وفي مكانه ، وتلك
شرح
( 1 ) أورده المجلسي قده في بحار الأنوار ( كتاب التوحيد ) باب جوامع التوحيد ،
نقلا عن كتاب التوحيد للصدوق .
( 2 ) سورة الحجر آية 21 .