الإشكال من وجهين : أحدهما : أن يقدم حديث ابن مسعود لأنه مثبت وابن عباس ينفي ، وقول المثبت مقدم . والثاني : أن يكون حديث ابن عباس متقدم ، بدليل أنه وصف فيه تحير الشياطين لوقوع الشهب ، وإنما وقعت عند المبعث ، وحديث ابن مسعود في حال أخرى بعد ذلك . ويدل على أنهما حالتان أن في حديث ابن عباس : جاءوا وهو لا يعلم ، فأوحي إليه « أنه استمع نفر من الجن » . وفي حديث ابن مسعود : استدعوه فحضرهم .
قوله : وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب . اختلف العلماء : هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا [ صلى الله عليه وسلم ] أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنها لم ترم حتى بعث ، وظاهر هذا الحديث يدل على ذلك ، ويقويه قوله تعالى :
« فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » [ الجن : 19 ] وقد استدل الزجاج ( 1 ) على صحته : أن قال : لم يوجد في شعر شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة ذكر الكواكب المنقضة ، فلما حدثت بعد مولد نبينا [ صلى الله عليه وسلم ] استعملت الشعراء ذكرها ، فقال ذو الرمة .
كأنه كوكب في إثر عفرية * مسوم في سواد الليل منقضب ( 2 )
والقول الثاني : أنه قد كان قبل نبينا [ صلى الله عليه وسلم ] بدليل ما سيأتي في أفراد مسلم من حديث ابن عباس قال : بينا النبي [ صلى الله عليه وسلم ] جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار ، فقال : « ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية ؟ » قال : كنا نقول : يموت عظيم أو
هامش
( 1 ) « المعاني » ( 3 / 176 ) .
( 2 ) « ديوان ذي الرمة » ( 1 / 111 ) ، و « المعاني » ( 3 / 176 ) ، و « الزاد » ( 4 / 388 ) .