فأصبحت علم الله مذعورة قد اقشعر جلدي ، ووله عقلي ، واقتصصت رؤياي . فالحرمة والحرمة ما بقي بها أبطحي إلا قالوا : هذا شيبة الحمد ، وتتامت إليه رجالات قريش ، وهبط إليه من كل بطن رجل ، فمشوا ومشوا ، واستلموا ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفقوا جنابيه ، فما يبلغ سعيهم مهله حتى إذا استوى بذورة الجبل قام عبد المطلب ومعه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] غلام قد أيفع أو كرب ( 1 ) ، فقال : اللهم ساد الخلة ، وكاشف الكربة ، أنت معلم غير معلم ، ومسئول غير مبخل ، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك ، يشكون إليك سنيهم ، أذهبت الخف والظلف . اللهم فأمطرن علينا معرقًا مريعا ، فوالكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء ، واكتفى الوادي بثجيجه ( 2 ) ، فلسمعت شيخان قريش وحلفها عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك أبا البطحاء ، أي عاش بك أهل البطحاء . وفي ذلك تقول رقيقة :
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا * لما فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاء بالماء جوني له سبل * سحا ، فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره * وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به * ما في الأنام له عدل ولا خطر ( 3 )
قال محمد بن سعد : أسلمت رقيقة ، وأدركت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ( 4 ) .
وقوله : كنا إذا احمر البأس نتقي به . أي إذا اشتدت الحرب
هامش
( 1 ) كرب : قرب .
( 2 ) الثجيج : السيل .
( 3 ) الأبيات في « الطبقات » ( 1 / 72 ) والأول في « الإصابة » ( 4 / 296 ) .
( 4 ) « الطبقات » ( 8 / 178 ) ، و « الإصابة » ( 4 / 296 ) .