فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه يصلح في الحرب مالا يصلح في غيرها من الافتخار والخيلاء . وقد قال علي عليه السلام يوم خيبر :
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ( 1 ) . والثاني : أنه لم يرد بذلك الافتخار بالآباء ، إنما قصد الافتخار بنفسه ، وإنما ذكر الأب للتعريف ، كما يقول الغالب لعدوه : أنا فلان بن فلان ، ومعناه : اعرفني ، فأنا الذي قهرتك ، وأنا الذي عاديتني ، أو يريد : إن نسبي صحيح ، قال خفاف بن ندبة :
أقول له والرمح يأطر متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذالكا ( 2 )
والثالث : أنه ذكرهم بهذا النسب أشياء كانوا يعرفونها في عبد المطلب ، مشهورها أربعة أشياء : أحدها رؤيا رآها عبد المطلب فأخبر بها قريشا فعبرت أنه سيكون له ولد يسود الناس ويملكهم ، فأذكرهم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] تلك الرؤيا لتقوى نفوس المنهزمين من أصحابه ، ويوقنوا بأن العاقبة له . والثاني : أن عبد المطلب وفد على سيف بن ذي يزن فأخبره سيف أنه سيكون من أولاده نبي ، وكان هذا الأمر مشهورا بينهم . والثالث : أن عبد المطلب أتي في منامه فقيل له : احفر زمزم :
قال : وما زمزم ؟ قال : لا تنزح ولا تذم ، تسقي الحجيج العظم فانتبه فحفرها ، فقالت له قريش : أشركنا فيها ، قال : لا ، هذا شيء خصصت به دونكم ، فحاكموه إلى كاهنة بن يسعد ، فلما خرجوا عطشوا في الطريق ، فانبعثت عين ماء من تحت خف راحلة عبد المطلب ، فقالوا : قد قضى لك الذي سقاك ، فلا نخاصمك أبدا ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الحديث ( 811 ) .
( 2 ) « ديوان خفاف » ( 64 ) .
( 3 ) ينظر خبر حفر زمزم في سيرة ابن هشام ( 1 / 142 ) ، و « الكامل » ( 2 / 12 ) ، و « البداية والنهاية » ( 2 / 244 ) .