أرضعته حليمة أياما ، فلما بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عاداه وهجاه وكان شاعرا ثم تلقاه في فتح مكة فأسلم قبل الفتح ، ولما حضرته الوفاة قال لأهله : لا تبكوا علي ، فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت ( 1 ) .
وقوله : « أنا النبي لا كذب » قد تكلم الناس في إنشاده مثل هذا مع كونه لا يحسن قول الشعر ، فقال قوم : كان إذا أنشد بيتا لا يقيمه ، واحتال بعض الرواة فروى : أنا النبي لا كذب بنصب الباء ، وهذا كله لا يحتاج إليه ؛ لأن كل ما ينقل عنه من الشعر فهو لغيره وإنما كان يتمثل به ، فأما قول الشعر من قبل نفسه فإنه منع من ذلك فلا يتأتى له .
وهذا البيت لا يخلو من أمرين : إما أن يكون قد قاله غيره فأنشده :
أنت النبي لا كذب ، فغيره هو وقت الإنشاد . أو يكون قد قاله ولا يقصد الشعر فوقع شعرا . وإذا تأملت هذا وجدته يقع كثيرا في كلام الناس ، حتى في القرآن الذي ليس فيه شعر قطعا ، مثل قوله تعالى :
« لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » [ آل عمران : 92 ] وقوله : « وجفان كالجواب وقدور راسيات » [ سبأ : 13 ] . وقال بعض المرضى لأهله : اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى . فخرج هذا على وزن الشعر وإن لم يقصده ( 2 ) .
فإن قيل : فكيف يفتخر بعبد المطلب وفخره بالدين أولى ، مع أنه قد نهى عن الافتخار بالآباء ؟ ( 3 )
هامش
( 1 ) « الطبقات » ( 4 / 36 - 39 ) ، و « الاستيعاب » ( 4 / 83 ، 84 ) وأتنطف : أتلطخ .
( 2 ) ينظر « البيان والتبيين ) ( 1 / 289 ) ، و « الأعلام » ( 2 / 1359 ، 1382 ) ، و « الفتح » ( 8 / 31 ) .
( 3 ) ينظر « الأعلام » ( 2 / 1382 ) ، و « الفتح » ( 8 / 31 ) .