650 / 769 - وفي الحديث الثالث : « الحمى من فور جهنم » وفي لفظ : « من فيح جهنم فأبردوها بالماء » ( 1 ) .
الفور والفيح والفوح : اشتداد حرها وقوة غليانها ، يقال : فاحت القدر تفيح : إذا غلت .
وقوله : « أبردوها » أي قابلوا حرها ببرد الماء وصبه على المحموم .
فإن قيل : فنحن نجد علماء الطب يمنعون من اغتسال المحموم .
ويقولون : لا يجوز مقابلة الأشياء بأضدادها بغتة ، والرسول عليه السلام لا يقول إلا حكمة وحقا ، وقد ذكر عن بعض من ينسب إلى العلم أنه حم فاغتسل ، فاختفت الحرارة في بدنه ، فزاد مرضه ، فأخرجه الأمر إلى أشياء أحسنها التكذيب بالحديث .
والجواب : أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إنما خاطب بهذا أقواما كانوا يعتادون مثل هذا في مثل تلك الأرض ، والطب ينقسم : فشئ منه بالقياس كطب اليونانيين ، وشئ منه تجارب كطب العرب ، والعرب تستشفي بأشياء لا توافق غيرهم . وقد قال أبو سليمان الخطابي : تبريد الحميات الصفراوية بسقي الماء البارد ووضع أطراف المحموم فيه من أنفع العلاج وأسرعه إلى إطفاء نارها ، وعلى هذا الوجه أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بتبريد الحمى بالماء دون الانغماس فيه . قال : وبلغني عن ابن الأنباري أنه كان يقول :
معنى قوله : « فأبردوها بالماء » أي تصدقوا بالماء عن المريض يشفه الله عز وجل ، لما روي أن أفضل الصدقة سقي الماء ( 2 ) . قلت : هذا كله
هامش
( 1 ) البخاري ( 3262 ) ، ومسلم ( 2212 ) .
( 2 ) « الدر المنثور » ( 3 / 90 ) ، و « كشف الخفاء » ( 1 / 178 ) وينظر كلام أبي سليمان وابن الأنباري في « الأعلام » ( 3 / 2123 - 2126 ) .