والمركب في العموم والخصوص باختلاف الاعتبار .
قال : وكما تتحقق الحاجة ( 1 ) في المركب فكذا في البسيط .
أقول : الحاجة تعرض للبسيط وللمركب معا ، فإن كل واحد منهما ممكن وكل
هامش
( 1 ) قال الشارح القوشجي : اختلفوا في أن الماهيات الممكنة هل هي مجعولة بجعل جاعل أم
لا ؟ على أقوال ثلاثة : الأول : ما اختاره المصنف وهو أنها كلها مجعولة بجعل الجاعل سواء
كانت مركبة أو بسيطة . الثاني : أنها غير مجعولة مطلقا مركبة كانت أو بسيطة . الثالث : أن
المركبة مجعولة بخلاف البسيطة ، إنتهى .
أقول : المستفاد من كلامه في النمط الرابع من الإشارات ومن كلماته الأخرى ومما مضى منه
في الكتاب ، عدم اعتقاده في مجعولية الماهيات برأسها أصالة ومراده من تحقق الحاجة في
المركب والبسيط باعتبار صيرورتها موجودة بتبعية الوجود بضرب من الاعتبار الذهني في
تغايرهما . ومن ذهب إلى أنها غير مجعولة مطلقا ناظر إلى جعلها بالأصالة ، فالقولان واحد .
والقول الثالث ناظر إلى أن البسائط كالأعراض مجعولة بجعل الماهيات الموجودة في
الخارج فهي موجودة بالتبع أيضا ، فإن جعل زيد في الخارج هو جعله متكمما بكم كذا
ومتلونا بلون كذا وهكذا ، لا أن الجعل مرة يتعلق بالماهيات وأخرى بأعراضها ، فالأقوال
ناظرة إلى أمر فارد ولا تنازع بينها .
واعلم أنه يصدق قولنا : الماهية ليست بموجودة ، ولا يصدق قولنا : الوجود ليس بموجود ،
وذلك لأن الوجود ليس بمجعول بل هو الحق المتحقق في عظموت جلاله وجبروت كبريائه ،
والماهيات أوعية تحققها هي الأذهان لا غير وإنما تنتزع وتعتبر من حدود أطواره وشؤونه
وآياته ، وتلك الحدود تعتبر بما يلينا لا بما يليه لأنها بما يليه لا حد لها لقيامها بها ، كأمواج
البحر مثلا تعتبر حدودها بما يلينا لا بما يلي البحر لأنها لا حدود لها من تلك الجهة ، فافهم .
والفيلسوف الإلهي يبحث عن أجزاء الجسم فيجده مؤلفا من الهيولى والصورة ، فينتقل من
ازدواجهما إلى أصل مفارق يقيم أحدهما بالآخر ، فيثبت من هذا الطريق خالقا مدبرا قيوما
قائما على الأجسام ، أو يجده مؤلفا من أجزاء صغار صلبة لا تتجزأ فينتقل من تأليفها إلى
جامع لها مدبر فيها تدبيرا إراديا ، فيثبت بهذا الطريق موجودا واجبا بذاته خالقا مريدا
متصفا بجميع الكمالات الغير المتناهية ، أو يبحث عن الممكن بأنه زوج تركيب من الوجود
والماهية فينتقل من ازدواجهما إلى جاعل الماهية موجودة وهو الله سبحانه . والعارف ينظر
بنور برهان الصديقين على وجهه الأتم أنه سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن ،
فيحتاج في إثبات العالم إلى دليل ، فالماهيات في منظره الأعلى كسراب بقيعة يحسبه
الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .