وفي موضع آخر قال : " ان أحاديث الكتب الأربعة وأمثالها محفوفة بالقرائن ،
وأنها منقولة من الأصول والكتب المجمع عليها بغير تغيير " .
أما ما أورده الصدوق في أول كتابه الفقيه : " ولم أقصد فيه قصد المصنفين من
إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به ، وأحكم بصحته . . . " .
هذا الكلام لا يراد به الطعن على الكليني في كتابه ، والانتقاص منه كما ذهب
إليه بعض علمائنا المعاصرين حفظهم الله ( 1 ) .
أما قول الصدوق في باب الوصي يمنع الوارث : " ما وجدت هذا الحديث الا
في كتاب محمد بن يعقوب - رضي الله عنه ، وما رويته إلا من طريقه . . . ( 2 ) .
فهذا لا يدل على أن الصدوق على شك من روايات " الكافي " ، وأن قوله :
" ما وجدت هذا الحديث إلا في كتاب محمد بن يعقوب ، وما رويته إلا من طريقه . . . "
لا يعني الطعن بمرويات الكليني - قدس سره ، بل الظاهر العمل بهذه الرواية ، وهذا خير
دليل على حكمه بصحتها وقبولها ، وإلا لا وجه - مع مبناه - أن يعنون بابا ويذكر
رواية لا يقبلها .
ولو سلمنا أن قول الصدوق طعن فإنما هو كذلك في مقام وجود معارض
أقوى له حقيقة أو في نظره ، ومع ذلك فيه نقاش ( 3 ) .
هامش
( 1 ) انظر معجم رجال السيد الخوئي : 1 / 104 .
( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ح 578 باب الوصي يمنع الوارث ما له بعد البلوغ ص 165 ،
والكافي : ج 7 ، الحديث التاسع من باب الوصي ص 69 .
( 3 ) ومن جملة الموارد ما ذكره الصدوق في باب الرجلين يوصى إليهما فينفرد كل واحد منهم
بنصف التركة ما لفظه : " وفي كتاب محمد بن يعقوب - رحمه الله عن أحمد بن محمد ، عن علي بن
الحسن الميثمي ، عن أخويه محمد وأحمد ، عن أبيهما ، عن داود بن أبي يزيد ، عن يزيد بن
معاوية قال : إن رجلا مات وأوصى إلى رجلين ، فقال أحدهما لصاحبه : خذ نصف ما ترك
وأعطني النصف مما ترك ، فأبى عليه الآخر ، فسألوا أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال : " ذاك
له " .
قال مصنف هذا الكتاب - أي الصدوق رحمه الله لست أفتي بهذا الحديث ، بل أفتي بما عندي بخط
الحسن بن علي - العسكري - عليهما السلام ، ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول
الأخير كما أمر به الصادق عليه السلام ، وذلك أن الاخبار لها وجوه ومعان ، وكل إمام أعلم بزمانه
وأحكامه من غيره من الناس ، وبالله التوفيق " . انظر من لا يحضره الفقيه : 4 / 151 ، والكافي :
7 / 47 ، والاستبصار : 4 / 118 .
قال الشيخ الطوسي في " الاستبصار " بعد ما نقل كلام الصدوق : ظن - الصدوق - أنهما
متنافيان ، وليس الامر على ما ظن ، لان قوله عليه السلام : " ذاك له " - يعني في هذا الحديث أن لمن
يأبى أن يأبى على صاحبه ولا يجيب مسألته - ليس في صريحه ، إن ذلك للطالب الذي طلب
الاستبداد بنصف التركة ، وليس يمتنع أن يكون المراد بقوله : " ذلك له " ، يعني الذي أبى على
صاحبه الانقياد إلى ما يريده ، فيكون تلخيص الكلام : أن له أن يأبى عليه ولا يجيب مسألته ،
وعلى هذا الوجه لا تنافي بينها على حال .
وقال صاحب " الوافي : " وظن صاحب الاستبصار أنه لولا تفسيره للحديث بما فسره لكانا
متنافسين ، وليس الامر على ما ظن لان حديث الصفار ليس نصا على المنع من الانفراد ،
لجواز أن يكون معناه : أنه ليس عليهما الا إنفاذ وصاياه على ما أمرهما ، وأن لا يخالفا فيها
أمره ، تفردا أو اجتمعا ، أو يكون معناه : أنه إن نص على الاجتماع وجب الاجتماع ، وإن جوز
الانفراد جاز الانفراد . وبالجملة ، إنما الواجب عليهما أن لا يخالفاه ، إلا أن ما ذكره في
" الاستبصار " هو الأحسن والأوفق والأصوب " .
وقال المحدث النوري في " مستدرك الوسائل " : " . . . رأيناهم يطعنون في الخبر عند
التعارض بما لا يطعنون فيه به عند انفراده ، فكان الخبر عندهم عند انفراده له حكم ، وعند
ابتلائه بالمعارض له حكم آخر ، فربما كان فيه وهن لا يسقط الخبر عن الحجية ، فيغمضون
عنه ويستسرونه إذا انفرد ، ويظهرونه إذا ابتلي بالمعارض " . المستدرك : 3 / 539 .