غافلون عن الآخرة لاشتغالهم بزخارف الدنيا وزينة المال وأهواء النفس
ولذائذها ، مثلهم كمثل الطفل يشتغل باللعب ويغفل عن معرفة الله ، وحكمهم حكم
الحيوانات السائمة ، وبديهيّ أنّ الخفّة والراحة أفضل من الثقل والتورّط ; ولنعم ما
قال الشيخ سعدي الشيرازي :
توانگرى كشدت سوى كبر ونخوت وناز * خوش است فقر كه دارد هزار عجز ونياز ( 1 )
كلّ هذه البيانات لتعرف لماذا كانت فاطمة الزهراء - مع ما لها من الشأن -
تلبس عباءة مرقوعة ، وتتيقّن أنّ فقر تلك المخدّرة وأهل البيت نعمة موهوبة أنعم
بها الله عليهم تلطفاً وتحنّناً ، وهذا بنفسه امتياز اختصّ الله به ذلك الكوكب الدرّي
من دون نساء العالمين اللواتي لم يجعل الله لهنّ استحقاق هذه المنّة ، فلا تجد فيهنّ
واحدة بلغت ما بلغته تلك المخدّرة في الصبر ، ولا بلغت في الإيمان مبلغها ، بل الكلّ
يستطعمون فُتات موائدها .
* * *
والآن نبدأ بذكر بقية الأربعين حديثاً من صحاح العامّة ، ونشرع في
خصيصة أخرى إن شاء الله تعالى .
الحديث السابع عشر : روى أبو بكر الخوارزمي عن بلال بن حمامة ، قال :
خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج ذات يوم إلى النّاس ووجهه كدارة القمر ، فسأله
عبد الرحمن بن عوف ، فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي
هامش
( 1 ) يقول : القدرة تجرّك للكبر والنخوة والغرور ; أمّا الفقر فما أحسنه لأنّه يجعلك تحسّ بأنواع العجز
والفاقة .