الفضل والطول ، ثمّ قالت : الآن حمى الوطيس ، وزال التلبيس ، ذكّرتني الطّعن
وكنت ناسياً ، ويحك ! أتسدّدين إليّ سهاماً أنا لك ريّشتها ؟ وترسلين إليّ ظباً أنا
أحرشتها ؟ أما خشيت أن يذهب عنك أنصارك ويفترق الجمع متى قابلتك ؟ أتراك
أو أحضرت بوادي لا أراك ؟ يخطر ببالك أن ما ثمّ سواك ؟ فكم من مخالف لهواه
وهو لي بمحالف ؟ وكم واقف ببابي وعاكف ؟
فلمّا سمعت المدينة كلامها ضربت طولها ، ونشرت أعلامها ، وبرزت بروز
الأسد من غابه ، والسّيف من قرابه ، وقالت : أتستصغرين قدري وأنا جذيلها
المحكك ( 1 ) ؟ ليس ذا بعثتك فارجي ، وحيث وصلت إلى هذا المعترك وقعت في
الشرك وأمكنت الرّامي من الرّمية ، وأرحته من هذه القضيّة ، ومهما بدت لك
عاتبي فررت من آسادها ، أو لاحت لك العوالي ردّت سيوفك في أغمادها ، أمّا
سمومك يذوب فيها كلّ كبد حرّاء ، فأنت في جبالكِ مع أراضي الواسعة في ضيق
وآن ، أجريت ذكر زمزمك ، أو مراعى شعابك وواديك ، فاسمعي وانظري فليس
الخبر كالعيان ماء ، ولا كصدى ومرعى ، ولا كسعدان ، فكم لي بأراضي من عين
كالخنساء تجري عليّ ، وساكني سيّد العباد ، وأنا سيّدة البلاد ، واُقسم بكلّ ساقية
جارية ولئن لم تتركي بعض نفارك ، وتلبسي ثوب وقارك ، لأجردنّ إليها من
المعالي حيث يقلع خيام ، فخرجنا لها بأوتادها ، وأمّا ما احتججت بالمشهور وكلام
هامش
( 1 ) الجذيل المحكك : عود ينصب في مبارك الإبل لتحكّ به الإبل الجرباء نفسها ، وذهب الكلام مذهب المثل
عند العرب ، كما يقال « أنا عذيقها المرحب ) والعذيق النخلة كثيرة الحمل ترحب لئلا تصاب أو يصاب
ثمرها لثقل حملها بناءً على اختلاف معنى الترحيب ، حيث قيل الترحيب هو جعل المساند للنخلة لئلاّ
تميل ، وقيل هو شدّ شماريخها بالخوص لئلاّ يهزّها الهواء فيتساقط التمر ، وهذا النوع من النخل عزيز جداً ،
والمعنى الأول يناسب المثل ، لأنّ أغلب النخل تشدّ شماريخها حفاظاً على التمر . ( من المتن )