إليه ، هذا كلّه في حال حيالته وطراوته ، فكيف به إذا صار ميتة نتنة ( 1 ) ؟ ومع كل
ذلك ينتفخ بنخوة الكبر ويتعالى بالعجب ؟ !
والكبر يسوق صاحبه عاقبة إلى الهلاك كما أوصل الشيطان إلى الهلاك
الأبديّ .
وهذه الصفة الملعونة كانت في العرب أكثر منها في العجم ، وكانت في العجم
الكسرويّة أكثر من غيرهم ، وكان الكسرويّون يسمّون أنفسهم « الأحرار » ،
ويسمّون سائر الخلق « عبيد » .
وكان في العرب الكثير ممّن عرف بالكبر .
قيل : أتى وائل بن حجر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقطعه أرضاً ، وقال لمعاوية : أعرض
عن هذا الأرض عليه واكتبها له ، فخرج معه معاوية في هاجرة شديدة ومشى
خلف ناقته فأحرقه حرّ الشمس ، فقال له : أردفني خلفك على ناقتك ، قال : لست
من أردفك الملوك ، قال : فأعطني نعليك . قال : ما بخل يمنعني يا بن أبي سفيان ،
هامش
( 1 ) قال الغزالي في إحياء علوم الدين 3 / 381 في باب الطريق في معالجة الكبر : السبب الثاني : التكبّر
بالجمال ، ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ولا ينظر إلى باطنه نظر البهائم ، ومهما نظر إلى باطنه رأى
من القبائح ما يكّدر عليه ، فإنّه وكّل به الأقذار في جميع أجزائه : الرجيع في أمعائه ، والبول في مثانته ،
والمخاط في أنفه ، والبزاق في فيه ، والوسخ في أذنيه ، والدم في عروقه ، والصديد تحت بشرته ، والصنان
تحت إبطه ، يغسل الغائط بيده كلّ يوم دفعة أو دفعتين ، ويتردّد كلّ يوم إلى الخلاء مرّة أو مرّتين ليخرج
من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره ، فضلاً عن أن يمسّه أو يشمّه ، كلّ ذلك ليعرف قذارته وذلّه في حال
توسّطه . وفي أوّل أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور ، من النطفة ودم الحيض ، ثمّ خرج من مجرى
القذر ، إذ خرج من الصلب ثمّ من الذكر مجرى البول ثمّ من الرحم مفيض دم الحيض ثمّ خرج من مجرى
القذر . . . ولو ترك نفسه في حياته يوماً لم يتعهّدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار ، وصار
أنتن وأقذر من الدوابّ المهملة التي لا تتعهّد نفسها قطّ ، فإذا نظر أنّه خلق من أقذار ، وسكن في الأقذار ،
وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار . . .