فالمراد ب « من دونه » الأنبياء فرداً فرداً ، أي لمن يكن فيهم كفء لفاطمة
الزهراء ، لا من حيث نسبها الفخيم ولا حسبها العظيم ، إذ لم فيهم من كان له أب
كأب فاطمة ، ولا ارتباط وعلقة بالحقيقة المحمّديّة مثل الصدّيقة ، وأنّى يحصل
لفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) زوجاً كعليّ في قرابته ورحمه الماسّة ، وهو نفس النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
وأولى بالمؤمنين من أنفسهم .
فكما كانت عصمة فاطمة دليلاً على عصمة بعلها ، كانت أولويّة النفس
القدسيّة العلويّة دليلاً على أولويّة النفس المقدّسة الفاطميّة ، لأنّهما كفوان وفي عالم
الأنوار متّحدان .
نعم ، لو نظرنا إلى رتبة التنزّلات الوجوديّة والنزول من العوالم الغيبيّة إلى
العوالم الشهوديّة ، فإنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمقام النبوّة ،
وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أفضل من فاطمة ( عليها السلام ) لمقام الولاية والإمامة ، ولكنّ فاطمة
الزهراء ( عليها السلام ) أقرب إلى رسول الله ، والنقطة الوجوديّة لوجودها أقرب لخطّ النبوة ( 1 ) ;
هامش
( 1 ) ويلي فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بهذا اللحاظ سيّد الشهداء ( عليه السلام ) ، لأنّه مجمع أنوار الأنبياء والأوصياء ، لذا
كانت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) تخاطب الحسين ( عليه السلام ) وتقول : « أنت شبيه بأبي لست شبيهاً بعليّ » وخطّ
الأنبياء يبدأ بآدم وينتهي بالخاتم ، وخطّ الأوصياء يمتدّ من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى شيث وصيّ آدم ( عليه السلام ) ،
ولأجل امتداد الزمان وشرف نبوّة آخر الزّمان الذي لا نبيّ بعده ، واتّصال دولته الحقّة بالقيامة الكبرى ،
انحصر الأوصياء في أبناء خاتم الرسل وسيّد الأوصياء ، ليبقوا في الدنيا ويحموا الشريعة العظمى ويهدوا
الخلق إلى الله ويختموا بالوجود المسعود للحادي عشر من أبناء فاطمة المعصومة ، وهو آخر الأوصياء
الاثني عشر . وقد أيّد الله سبحانه كلّ واحد من الأنبياء أولي العزم بهذا العدد من الأوصياء ، وجعل مدّة
بقاء كلّ شريعة بمقدار شرف النبوّة ومقامها ، فلمّا وصلت النبوّة إلى الخاتم صار زمانه أكثر ، وكتابه
أفضل ، وأمّته خير الأمم ، وأوصياءه هم الحجج الإلهيّة والخلفاء الربانيّين ، وهم أشرف من الأوصياء
الماضين لشرف مستخلفهم ، فقد كانوا الأوائل وجاءوا في الآخر ، وصاروا مظاهر لكمالات أنبياء السلف
ومجالي لملكاتهم . ( من المتن )