فإنّه يقال : يمكن أن تكون القلَّة سبباً مستقلا ، والجريان مانعاً عن تأثيره ، والركود سبباً آخر ، وإنّما نسب الحكم في القليل إلى القلَّة لكونها كالوصف الذاتي للماء ، بخلاف الركود المقابل للجريان ، فإنّه من الأعراض اللاحقة ، والوصف الذاتي أسبق في التأثير .
هذا مع إمكان أن يقال : إنّ ذكر المِرْكَن ليس للاحتراز ، بل لمجرّد ذكر قسم من الماء ، فحينئذٍ لأحد أن يعكس الأمر ويقول : إنّ توصيف الماء ب " الجاري " لدخالته في الحكم ، وليس شيء ينوب منابه ؛ إذ مقابل الجاري الراكد ، وهو لا يصلح للنيابة ؛ لعين ما تقدّم ، فيكون للجملة الثانية مفهوم بعد عدم المفهوم للأُولى ، وإنّما ذكر المِرْكَن لأنّه أحد المصاديق ، فتدلّ الرواية بمفهومها على وجوب التعدّد في غير الجاري .
لكنّه أيضاً محلّ إشكال ؛ لأنّ الراكد وإن لم يصلح للنيابة ، لكنّ الكثير يمكن أن ينوب عن الجاري ، سيّما مع التناسب بينهما .
ولكن الإنصاف : أنّ إثبات حكم المرّة أو المرّتين في الكرّ بهذه الرواية ، في غاية الإشكال ، والظاهر سكوتها عن حكم الكرّ .
وأمّا الاستدلال " 1 " على الاكتفاء بالمرّة بمرسلة العلَّامة المتقدّمة ، عن أبي جعفر ( عليه السّلام ) مشيراً إلى غدير : " إنّ هذا لا يصيب شيئاً إلَّا طهّره " " 2 " بدعوى انجبار سندها بالشهرة ، وأقوائية دلالتها ممّا وردت في غسل البول مرّتين ؛ لأنّها بالعموم ، وتلك بالإطلاق . بل الإطلاق أيضاً صار موهوناً بخروج الجاري منها . بل يمكن إنكار دلالتها إلَّا على القليل ؛ لكثرة القليل ،
هامش
" 1 " مصباح الفقيه ، الطهارة : 611 / السطر 28 ، جواهر الكلام 6 : 197 .
" 2 " تقدّم في الصفحة 132 .