[ وكما روي أن الله تعالى بفضله أمر نبيا من الأنبياء المتقدمين أن يأخذ طيرا من
نحاس أو شبه ( 1 ) ويجعله على رأس منارة كانت في تلك الولاية ، ولم يكن فيها
شجر الزيتون ، وكان أهلها محتاجين إلى دهن الزيت للمأدوم وغيره ، فإذا كان عند
إدراك الزيتون بالشامات خلق الله صوتا في ذلك الطير فيذهب ذلك الصوت في الهواء
فيجتمع إلى ذلك ألوف ألوف من أجناسه في منقار كل واحد زيتونة ، فيطرحها
على ذلك الطير ، فيمتلئ حوالي المنارة من الزيتون إلى رأسها ، وكان ذلك الطير
غير مجوف .
فلا يدعى أنها من الحيل التي يأخذها الناس لصندوق الساعة ونحوها .
ولا يسمع لذلك الطير صوت إلا عند إدراك الزيتون في السنة ، وكان أهلوها
ينتفعون به طول السنة بذلك ] ( 2 ) .
هامش
1 ) وهي ضرب من النحاس يلقى عليه دواء فيصفر لسان العرب : 13 / 505 .
2 ) قال الفخر الرازي في تفسيره : 3 / 212 .
" ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو
أن يجر ثقلا عظيما بآلة خفيفة سهلة ، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر ، لان لها
أسبابا معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها ، الا أن الاطلاع عليها لما كان عسيرا شديدا لا يصل
إليه الا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر .
ومن هذا الباب عمل " أرجعيانوس " الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه
وذلك أنه اتفق له أنه كان مجتازا بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل - :
والبراصل هو طائر عطوف . وكان يصفر صفيرا حزينا بخلاف سائر البراصل وكانت البراصل
تجيئه بلطائف الزيتون فنطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته ، ويفضل بعضها عن حاجته ،
فوقف هذا الموسيقار هناك وتأمل حال ذلك الفرخ ، وعلم أن في صفيره المخالف لصفير
البراصل ضربا من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله .
فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة ، إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير ، ولم يزل يجرب
ذلك حتى وثق بها ، وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجئ إلى ذلك الفرخ ، لأنها
تظن أن هناك فرخا من جنسها ، فلما صح له ما أراد أظهر النسك ، وعمد إلى هيكل أورشليم
وسأل عن الليلة التي دفن فيها " أسطرخس " الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل ، فأخبر انه دفن
في أول ليلة من آب ، فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة ونصبها فوق ذلك
الهيكل ، وجعل فوق تلك الصورة قبة ، وأمرهم بفتحها في أول آب ، وكان يظهر صوت
البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة ، وكانت البراصل تجئ بالزيتون حتى كانت
تمتلي تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون ، والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون "
وما بين المعقوفين أثبتناه من البحار .