فصل
ومن قال من مخالفينا : إن محمدا صلى الله عليه وآله لم يكن نبيا لأنه لم يكن معه معجز ،
فالكلام عليه أن نقول : إنا نعلم ضرورة أنه ادعى النبوة ، كما نعلم أنه ظهر بمكة
وهاجر إلى المدينة ، وتحدى العرب بالقرآن ، وادعى مزية القرآن على كلامهم
- وهذا يكون تحديا من جهة المعنى - وعلموا أن شأنه يبطل بمعارضته .
فلم يأتوا بها لضعفهم ، وعجزهم ( 1 ) لانتقاض العادة بالقرآن ، فأوجب انتقاض
العادة كونه معجزا دالا على نبوته .
فان قيل : إنما لم يعارضوه لكونهم أعتاما ( 2 ) جهالا ، لا لعجزهم ( 3 ) .
قلنا : المعارضة ( 4 ) كانت مسلوكة فيما بينهم ، فامرئ القيس عارض علقمة بن
عبدة الطبيب ( 5 ) وناقضه ، وطريقة المعارضة لا تخفى على الصبيان ، فكيف على دهاة
هامش
1 ) " وعجزهم كان " البحار .
2 ) قال ابن زكريا في معجم مقاييس اللغة :
4 / 224 : العين ، والتاء ، والميم أصل صحيح يدل على ابطاء في الشئ أو كف عنه .
وفي البحار " غبايا " .
3 ) " لا يعجزهم " م . واستظهر ما في المتن .
4 ) " المعارضات " خ ل ، والبحار .
5 ) كذا في م ، ه ، والبحار وفيه " عبدة بن الطبيب " .
والظاهر أنها هكذا : فامرئ القيس عارضه علقمة بن عبدة ، وعبدة بن الطبيب . فكلا
الشاعرين علقمة ، وعبدة من فحول الشعراء ، كما عدهم اليعقوبي في تاريخه : 1 / 263
و 264 ، ولكن هذا لا يعنى أن امرئ القيس عارض قصائدهم ، بل إن العكس هو الوارد
والصحيح ، فقد أورد المبرد في الكامل : 2 / 146 " باب سؤال عبد الملك بن مروان :
أي المناديل أفضل ؟ " أبيات لعبدة بن الطبيب هي :
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية * وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما يؤنيه طابخه * ما غير الغلى ومنه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مسومة * أعرافهن لأيدينا مناديل
وقال بعد ذلك : وإنما أخذ ما في هذه الأبيات من بيت امرئ القيس ، فإنه جمع ما في هذه
الأبيات في بيت واحد ، مع فضل التقدم :
نمش بأعراف الجياد أكفنا * إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
وأورد الشريف المرتضى في أماليه : 1 / 114 أبيات لعبدة بن الطبيب ، منها :
فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما
قال التبريزي في " المعلقات بشرح التبريزي " بعد شرحه لهذا البيت ، وهذا يشبه قول
امرئ القيس :
فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا .
ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن عبد ربه قال في العقد الفريد : 7 / 96 :
قال أبو عمرو بن العلاء : أعلم الناس بالنساء عبدة بن الطبيب ، وأورد أبياتا من الشعر
ثم قال بعدها : وهذه الأبيات لعلقمة بن عبدة المعروف بالفحل .