دون من لم يساوهم - بل يغني ظهور أمرهما عن الروية ( 1 ) بينهما ، ولهذا ( 2 )
لا يحتاج في الفرق بين الخز ( 3 ) والصوف إلى أحذق ( 4 ) البزازين .
وإنما يحتاج إلى التأمل الشديد المتقارب ( 5 ) الذي يشكل مثله .
ونحن نعلم أنا على مبلغ علمنا بالفصاحة ، نفرق بين شعر امرئ القيس وشعر
غيره من المحدثين ، ولا يحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم
الفصاحة ، بل يستغنى معه عن الفكرة .
وليس بين الفاضل والمفضول من أشعار هؤلاء ، وكلام هؤلاء قدر ما بين الممكن
والمعجز ، والمعتاد والخارج عن العادة ، لان جميع شعراء لو كانوا بفصاحة
الطائيين ( 6 ) وفي منزلتهما ثم أتى آت بمثل شعر امرئ القيس ، لم يكن معجزا
وكذلك لو كان البلغاء في الكتابة في طبقة أهل عصرنا ، لم يكن كلام عبد الحميد ( 7 )
وإبراهيم بن العباس ( 8 ) ونحوهما خارقا لعادتهم ومعجزا لهم . وإذا استقر هذا
هامش
1 ) الروية : النظر والتفكر في الأمور . وفي البحار " الرؤية " .
2 ) " وهذا كما " البحار . وفي د ، ق " ولهذا لا نحتاج " .
3 ) الخز : الحرير .
4 ) أحذق : أمهر .
5 ) " التقارب " ه ، د ، ق ، والبحار .
6 ) أي أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، والبحتري أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي . قال
المبرد : وبالبحتري يختم الشعر . وسئل المبرد عنهما فقال : لأبي تمام استخراجات
لطيفة ، ومعان ظريفة ، وجيدة أجود من شعر البحتري ، ومن شعر من تقدمه من المحدثين ،
وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام لان البحتري يقول القصيدة كلها فتكون
سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب ، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف .
7 ) هو عبد الحميد بن يحيى بن سعد الكاتب البليغ المشهور ، وبه يضرب المثل في البلاغة
حتى قيل : فتحت الرسائل بعبد الحميد ، وختمت بابن العميد .
تجد ترجمته في وفيات الأعيان : 3 / 228 .
8 ) هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي الشاعر المشهور ، وله نثر
بديع ، قال عنه الجراح في كتاب الورقة أنه أشعر نظرائه الكتاب ، وأرقهم لسانا .
تجد ترجمته في وفيات الأعيان : 1 / 44 .