شرح
وقد يستدل على ذلك أيضا بمعتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال ،
قال قال أبو عبد الله جعفر بن محمد بن الصادق ( ع ) : ( إياكم أن يحاكم بعضكم
بعضا إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا
فاجعلوه بينكم ، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه ) ( * 1 ) والرواية صحيحة
فإن أبا خديجة ثقة على الأظهر .
بتقريب أن الرواية ظاهرة في جعل منصب القضاء لمن يعلم شيئا من
قضاياهم ( ع ) فيجب الرجوع إليه في موارد الترافع والتشاجر . ثم إن
قوله ( ع ) ( يعلم شيئا من قضايانا ) لا يراد له العلم بشئ ما . فإن
علومهم ( ع ) لا يمكن لأحد الإحاطة بها ، فالعالم بالأحكام - مهما بلغ
علمه - فهو لا يعلم إلا شيئا من قضاياهم ، فلا بد من أن يكون ذلك الشئ
مقدارا معتدا به حتى يصدق عليه أنه يعلم شيئا من قضاياهم . والمراد به
هو المجتهد العالم بالأحكام من الكتاب والسنة .
ولكن الصحيح : أن الرواية غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءا ،
وذلك لأن قوله ( ع ) فإني قد جعلته قاضيا متفرع على قوله ( ع ) :
فاجعلوه بينكم ، وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين ، فالنتيجة أن
المستفاد منها أن من جعله المتخاصمان بينهما حكما هو الذي جعله الإمام ( ع )
قاضيا فلا دلالة فيها على نصب القاضي ابتداءا .
ويؤكد ذلك أن قوله ( ع ) : يعلم شيئا من قضايانا لا دلالة فيه
بوجه على اعتبار الاجتهاد ، فإن علومهم ( ع ) وإن لم تكن قابلة للإحاطة
بها إلا أن قضاياهم وأحكامهم في موارد الخصومات قابلة للإحاطة بها ولا سيما
لمن كان في عهدهم ( ع ) . وعليه فمن كان يعلم شيئا من قضاياهم ( ع )
يجوز للمترافعين أن يتحاكما إليه وينفذ حكمه فيه وإن لم يكن مجتهدا وعارفا
هامش
( * 1 ) الوسائل الجزء : 18 الباب : 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث : 5 .