شرح
اطلاقات الجلوس حال التشهد فإن تم هاتان الروايتان سندا ودلالة
فلا بد من تقييد تلك الاطلاقات المقتضية لجواز الاقعاء ولو بهذا المعنى
بغير هذا الفرض فإنه يكون غير جائز وإلا كان مقتضى تلك الاطلاقات
هو الجواز ، إلا أن يكون المنع مبنيا على الاحتياط كما في المتن وإن
كان ظاهره هو الاحتياط حتى عن الاقعاء بالمعنى اللغوي ، مع أنه
لا موجب لذلك لقصور شمول الروايتين له قطعا كما عرفت .
ولكن يمكن المناقشة في كلتا الروايتين : أما رواية زرارة فلأنه
رواها ابن إدريس عن كتاب حريز بن عبد الله ، وقد عرفت مرارا
أن طريق ابن إدريس لهذه الكتب مجهول لدينا فهي بالنسبة إلينا في
حكم المرسل وإن عبر عنها في كلام غير واحد من الأعاظم بالصحيحة .
على أنه يمكن المناقشة في دلالتها وذلك لأن لفظة - لا ينبغي -
وإن كانت في لسان الأخبار ظاهرة في الحرمة كما يقتضيه معناه اللغوي
وهو لا يتيسر ولا يمكن قال الله تعالى : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر
. . . الخ أي لا يتيسر لها ذلك إلا أنه في خصوص المقام قامت
القرينة على خلاف ذلك وهو التعليل بقوله : ( وليس المقعي بجالس )
فإن ظاهر هذه الجملة غير مراد قطعا فإنه كيف لا يكون المقعي
بجالس مع أن الاقعاء نحو من أنحاء الجلوس وليس مفهوما مبائنا
له كالقيام ونحوه فلا بد وأن يكون المقصود أن المقعي ليس مستريحا
في جلوسه بمثابة يتمكن من أداء التشهد ولا سيما مع سننه وآدابه
المفصلة كما يفصح عن ذلك ذيل صحيحة زرارة المتقدمة : ( . . فلا
تصبر على التشهد والدعاء ) ، وهذا التعليل إنما يلائم ويناسب
الحكم التنزيهي دون التحريمي كما لا يخفى .