الجو المادي المكهرب الحاكم آنذاك ، أدى إلى أن يعيشوا في مفارقات متناقضة
وأجواء وهمية كاذبة يترنحون ذات اليمين مرة وذات الشمال أخرى .
ولذا يقول الأستاذ عبد الرحمن بدوي في تصديره لكتاب شخصيات قلقة
في الإسلام : " للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام ،
وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قويا غنيا
قادرا على إشباع النوازع الروحية للنفوس ، حتى أشدها تمردا وقلقا ، ولولا هذا
لتحجر في قوالب جامدة ، ليت شعري ماذا كان سيؤول إليه أمره فيها .
ومن الغريب أن الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية ، ناحية
الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة الذي قامت به الشيعة ، والعلة في
هذا إن الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية
الجوانب ، مع أنه ليس إلا واحدا منها " .
* * *
وإنا إذ نتسائل ألم يكن الواقع الحي آنذاك - كما صورناه - يوحي بوقوف
الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبحزم بوجه الجبابرة والطغاة المنحرفين
عن وجه الصراط السوي ، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويطالبونهم
بالرجوع إلى حضيرة الإسلام والعمل على ضوء تعاليمه العالية والابتعاد عن كل
أوجه التخلف والفساد المتفشي في أوصال الجهاز الحاكم .
ألم يحكم هؤلاء باسم الإسلام ؟ أوليس إنهم تسنموا منصب الخلافة إلا
باعتبارهم خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟
ولكن ما الحيلة عندما يمارس الخليفة الحكم في ضمن أفق ضيق ونطاق
محدود من التفكير ، وسيطرة الآخرين عليه في مراكز الدولة كالبرامكة
وما شاكلهم من الذين ليسوا هم بأحسن حظا من الخليفة في العلم والثقافة
والزهد والتقوى ! ؟
الخلاف — صفحة 32
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٢