أخرجه أحمد في مسنده « 1 » من طريق عبد اللّه بن عامر قال : سمعت معاوية يحدّث وهو يقول : « إيّاكم وأحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلّا حديثا كان على عهد عمر » .
لماذا هذا التحذير عن الأحاديث بعد أيّام عمر ؟ ! وما خصوصيّة عهد عمر في قبول الرواية ورفضها ؟ !
ولعلّ قول معاوية هذا في سنّة الرسول صلّى اللّه عليه وآله كاف في قلّة اعتداده بها ، أو أنّه كان ينظر إليها نظر مستخفّ بها ، وكان يستهين بقائلها مرّة ، ويضرط لها إذا سمعها مرّة أخرى ، وينال من رواتها بقوارص طورا ، وينهى راويها عن الرواية بلسان بذيء بكلّ شدّة وحدّة ، إلى أشياء من مظاهر الهزء والسخريّة « 2 » ؛ فما ظنّك بمن هذا شأنه مع السنّة الشريفة ؟ ! فهل تذعن له أنّه يعبأ بها ويحتجّ بها في موارد الحاجة ، ويأخذها مدركا عند عمله ؟ ! أو ينبذها وراء ظهره كما فعل ذلك في موارده ومصادره كلّها ؟ !
وإنّ حداثة عهد معاوية بالإسلام وأخذه بالروايات بعد كلّ ما قدّمناه ، وما كان يلهيه عن الإصاخة إليها طيلة أيّامه من كتابة وإمارة وملوكيّة ، وإنّ حياته في دور الإسلام كلّها كانت مستوعبة بظروب السياسة وإدارة شؤون الملك والنزاع والمخاصمة دونه ، فمتى كان يتفرّغ لأخذ الروايات وتعلّم السنن ؟ !
ثمّ من ذا الّذي أخذ عنه السنّة ؟ ! والصحابة جلّهم في منتأى عن مباءته - الشام - ، ولم يكن معه إلّا طليق أعرابيّ ، أو يمانيّ مستدرج « 3 » ، وهو يسيء ظنّه بجملة الصحابة المدنيّين ، حملة الأحكام ونقلة الأحاديث النبويّة ، ويقول بملء فمه : إنّما كان الحجازيّون هم الحكّام على الناس والحقّ فيهم ، فلمّا فارقوه كان
هامش
( 1 ) - مسند أحمد 4 : 99 [ 5 / 66 ، ح 16467 ] .
( 2 ) - راجع تفصيل كلّ هذه فيما ذكرناه في ص 1108 من كتابنا تلخيص الغدير .
( 3 ) - [ « استدرجه » : خدعه حتّى حمله أن درج في ذلك ] .