أنّها تستدعي فراغا كثيرا لا يتصرّم بالسنين الطوال ، فكيف بهذه الأويقات اليسيرة الّتي تلهيه في أكثرها الهواجس والأفكار المتضاربة من نواميس دينه القديم - الوثنيّة - وقد أتى عليها ما انتحله من الدين الجديد - الإسلام - فأذهب عنه هاتيك ، ولم يجئ بعد هذا على وجهه بحيث يرتكز في مخيّلته ، ويتبوّأ في دماغه .
وكان قد سبقه جماعة إلى الإسلام وكتابه ، وهم بين حكم النبيّ ومحكماته ، وإفاضاته وتعاليمه ، وهم لا يبارحون منتديات النبوّة ، وهتافها بالتنزيل والتأويل الصحيح الثابت ، قضوا على ذلك أعواما متعاقبة ومددا كثيرة ، فلم يتسنّ لهم الحصول على أكثر تلكم المبادئ ، وانكفؤوا عنها صفر الأكفّ ، خاوي الوطاب .
انظر إلى ذلك الّذي حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة ، حتّى إذا تمكّن من الحفظ بعد ذلك الأجل المذكور نحر جزورا شكرا على ما أتيح له من تلك النعمة بعد جهود جبّارة ، واللّه يعلم ما عاناه طيلة تلكم المدّة من عناء ومشقّة .
وهذا الرجل ثاني الامّة عند القوم في العلم والفضيلة . وكان من علمه بالكتاب أنّه لم يع تنصيصه على موت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؛ فلمّا سمع قوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 1 » ألقى السيف من يده ، وسكنت فورته ، وأيقن بوفاته صلّى اللّه عليه وآله كمن لم يقرأ الآية الكريمة إلى حينه . وإن تقس موارد علمه بالكتاب ونصوصه ، قضيت منها العجب ، وأعيتك الفكرة في مبلغ فهمه ، وما ذا الّذي كان يلهيه عن الخبرة بأصول الإسلام وكتابه ؟ ! ولئن راجعت فيما يؤول إلى هذا الموقف من كتابنا تلخيص الغدير « 2 » رأيت العجب العجاب .
وليس من البعيد عنه أوّل رجل في الإسلام عند القوم ، الّذي بلغ من القصور والجهل بالمبادئ والخواتيم والأشكال والنتائج حدّا لا يقصر عنه
هامش
( 1 ) - الزمر : 30 .
( 2 ) - انظر ص 532 - 608 من كتابنا تلخيص الغدير .