والرابع : الاستنباط وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة الّتي هي الكتاب والسنّة والإجماع ؛ لأنّ اللّه تعالى جعل المستنبط من ذلك علما ، وأوجب الحكم به فرضا ؛ فقال عزّ وجلّ :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 1 » . وقال عزّ وجلّ :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
« 2 » ؛ أي : بما أراك فيه من الاستنباط والقياس ؛ لأنّ الّذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو ممّا أنزل اللّه عليه وأمره بالحكم به حيث يقول :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 3 » .
نظرة في اجتهاد معاوية :
هاهنا حقّ علينا أن نميط الستر عن اجتهاد معاوية ، ونناقش القائلين به في أعماله ؛ أفهل كانت على شيء من النواميس الأربعة : الكتاب ، السنّة ، الإجماع ، القياس ؟ ! أو هل علم معاوية علم الكتاب ؟ ! وعند من درسه ؟ ! ومتى زاوله ؟ ! وقد كان عهده به منذ عامين « 4 » قبل وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
وهل كان يميّز بين محكماته ومتشابهاته ؟ ! أو يفرّق بين مجمله ومبيّنه ؟ ! أو يمكنه الحكم في عمومه وخصوصه ؟ ! أو أحاط خبرا بمطلقه ومقيّده ؟ ! أو عرف شيئا من ناسخه ومنسوخه ؟ ! إلى غير هذه من أضراب الآي الكريمة ، ومزايا المصحف الشريف الداخل علمها في استنباط الأحكام منه .
إنّ ظروف معاوية على عهد استسلامه لا يسع شيئا من ذلك ، على حين
هامش
( 1 ) - النساء : 83 .
( 2 ) - النساء : 105 .
( 3 ) - المائدة : 49 .
( 4 ) - هو وأبوه وأخوه من مسلمة سنة الفتح ؛ كما في الاستيعاب [ 3 / 1416 ، رقم 2435 ] .
وكان ذلك في أخريات السنة الثامن الهجرة ، ووفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في أوليات سنة 11 .