قالوا : لا والله نفديك بأنفسنا وأهلينا فقبح الله بعدك .
وقال مسلم بن عوسجة : والله لو لم يكن معي سلاح لقاتلتهم بالحجارة ! ! !
وقال سعيد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أننا قد حفظنا غيبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك ، والله لو علمت أنني أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم
أحيى سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ! ! !
وتكلم جماعة ( آخرون من ) أصحابه بمثل ذلك .
فجعل الحسين ( عليه السلام ) يصلح سيفه وهو يقول :
يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل * ( والدهر لا يقنع بالبديل ( 1 )
وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيل )
( قال علي بن الحسين زين العابدين : فأعادها أبي مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها
وفهمت ما أراد ، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل ) ( 2 ) .
قال : فلما سمعته ( زينب ) ابنة علي وقد خنقته العبرة نهضت وهي تقول :
وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت فاطمة الزهراء أمي وعلي أبي والحسن
أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي ( 3 ) .
فقال لها الحسين : يا أخية لا يذهبن حلمك - وترقرقت عيناه - . فلطمت وجهها
وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها . فقام إليها الحسن فرش على وجهها الماء وقال :
يا أخية اعلمي أن أهل السماوات والأرض يموتون ولا يبقون ولي أسوة برسول الله صلى
الله عليه وسلم وإني أقسم عليك يا أخية ( أن ) لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي وجها ( 4 ) .
هامش
( 1 ) هذا الشطر ، والشطران التاليان الموضوعان بين المعقوفين لم تكن في أصلي ، وإنما أخذناها من
مصادر أخر .
( 2 ) هذا هو الظاهر المذكور في كثير من المصادر الموثوقة ، وقد حذف من أصلي ولذا وضعناه بين
المعقوفين .
( 3 ) الثمال - بكسر الثاء - الملجأ ، والغياث .
( 4 ) وفي تاريخ البداية والنهاية : ج 8 ص 177 ، ما معناه :
عن علي بن الحسين زين العابدين قال : أعاد أبي الأبيات مرتين - أو ثلاثا - حتى حفظتها وفهمت ما
أراد ، فخنقتني العبرة فرددتها ، ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل ! !
وأما عمتي ( زينب ) فقدمت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت : وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ؟ ! !
اليوم ماتت أمي فاطمة ، وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي ؟ وثمال الباقي ! ! !
فنظر إليها ( الحسين ) وقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان . فقالت : بأبي أنت وأمي يا أبا عبد
الله استقتلت ؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشية عليها ! ! !
فقام إليها ( الحسين ) فصب على وجهها الماء وقال : يا أخية اتقي الله واصبري وتعزي بعزاء الله ،
واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي
خلق الخلق بقدرته ، ويميتهم بقهره وعزته ، ويعيدهم فيعبدونه وحده ، وهو فرد وحده ، واعلمي أن
أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة .
قال علي بن الحسين : ثم حرج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه ، ثم أخذ بيدها فردها إلى
عندي ؟
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضها من بعض ، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم
إلا من جهة واحدة ، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم .