( أَزْوَاجاً ) لِتَطمئنُّوا إليها وتألَفُوا بها ، وذلكَ لِمَا بين الاثنين من جِنْس واحد
من الإِلْفِ والسُّكونِ ، وما بينَ الجنسينِ المختلفينِ من التَنَافِر ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) أي : تَوادّاً وتَراحُماً بعد أَن لَمْ يكنْ بينكُم مَعرِفةٌ ولا سَبَبٌ
يُوجِبُ التَحابَّ والتعاطُفَ من القَرابةِ والرَّحم . والأَلْسِنةُ : اللُّغاتُ أو أَجناسُ
المنطقِ وأَشْكالُهُ . خَالَفَ سبحانه بين هذه الأشياءِ حتّى لا يَكاد يُسمعُ بين منْطِقَينِ
متَّفِقَيْن في شيء من صفاتِ النُطْقِ وأحوالِهِ ، وكذلكَ الصُوَرُ وتَخطيطها ( 1 ) والأَلوانُ
وتنويعها ، ولهذا الاختلافِ وَقَعَ التَعَارفُ ، ولَوْ اتَّفقَتْ وتَشَاكَلَتْ لوقَعَ الالتباسُ ،
و ( فِي ذا لِكَ ) آيَةٌ بيِّنةٌ في حكمةِ الصَانعِ وكَمَالِ قُدرتِهِ ، وقُرئ : ( لِلْعَلِمِينَ ) بفتحِ
اللاَّمِ وكسرِهَا ( 2 ) ، ويَشْهدُ للكسرِ قَولُهُ : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَلِمُونَ ) ( 3 ) .
( مَنَامُكُمْ بِالَّيْلِ والنَّهَارِ ) هو من بَابِ اللَّفِّ وتَرتيبه ( وَمِنْ ءَايَتِهِ مَنَامُكُمْ ،
وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّنْ فَضْلِهِ ) باللَّيلِ والنَّهارِ ، إلاَّ أَنَّه فَصَّلَ بين القَرينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بالقَرينَيْنِ
الآخرينِ لأنَّهما زَمَانَان ، والزَّمانُ والواقِعُ فيهِ كشيء واحِد ، من إعانةِ اللَّفِّ على
الاتّحاد ، ويجوزُ أَن يكونَ المُرادُ : مَنَامُكُم في الزَّمانين وابتغاؤكُم من فَضْلِهِ فيهِمَا ،
والأوَّلُ أَظهرُ لتكرُّرِهِ في القُرآنِ .
وفي ( يُرِيكُم ) وَجْهان : أَحدهما : إضْمارٌ ، والآخرُ : إنْزالُ الفِعْلِ منزلةَ المَصدر
وَفسّرَ المَثَل : " تَسمَعُ بالمُعيدِي خَيرٌ من أَن تَرَاهُ " علَى الوجهينِ ( خَوْفَاً ) من
الصَاعِقَةِ أو من الإخْلافِ ( وَطَمَعاً ) في الغَيثِ ، وقيلَ : خَوفَاً للمُسَافرِ وطَمَعَاً
هامش
( 1 ) في نسخة : " تخليطها " .
( 2 ) قراءة حفص عن عاصم بكسرها والباقون جميعاً بفتحها . راجع التبيان : ج 8 ص 239 .
( 3 ) العنكبوت : 43 .