بأنَّهُ ليس إلاَّ مُحْتَاجاً إليهِ ، وإذا لَمْ يَكُنْ إلاَّ محتَاجاً إليهِ فهو غَنيٌّ ، وفي كَونِهِ غَنِيَّاً مع
كَونِهِ عَالِماً أنَّه عَدْلٌ غَيْرُ فَاعِل للقَبيحِ لِعِلْمِهِ بقُبْحِ القَبيحِ وعِلْمِهِ بِغِنَاهُ عَنْهُ ، وقَولُهُ :
( لَمْ يَلِدْ ) نَفْيٌ للتَّشْبيهِ والمُجَانَسَةِ ، وقَولُهُ : ( وَلَمْ يُولَدْ ) وَصْفٌ بالأوَّليةِ ( 1 ) والْقِدَمِ ،
وقَولُهُ : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ ) ، تَقْريرٌ لِنَفْيِ التَّشْبيهِ وقَطْعٌ بِهِ ، وإنَّما قَدَّمَ سبحانهُ
( لَهُ ) وهو غَيْرُ مُسْتَقرِّ لأنَّ سِيَاقَ هذا الكَلامِ لِنَفْي المُكَافَأةِ عن ذَاتِ البَارِي ، وهذا
المعنى مَرْكَزُهُ هذا الظَّرْفُ ، فَكَانَ أَهَمَّ شَيء بالذِّكْرِ ، وأَغْنَاهُ وأَحَقَّهُ بالتَّقديمِ وأَحْرَاهُ .
وقُرئَ : ( كُفُواً ) بضَمِّ الكَافِ والفَاءِ ، وبسُكُونِ الفاءِ ( 2 ) ، وبالهَمْزَةِ وتَخْفِيفهِ ( 3 ) .
وفي عِظَمِ مَحَلِّ هذهِ السُّورةِ وكَوْنِها مُعَادِلَةً لِثُلُثِ القُرآنِ ( 4 ) على قِصَرِهَا
وتَقَارُبِ طَرَفَيْها ، دَلالةٌ واضِحَةٌ على أنَّ عِلْمَ التَّوحيدِ من اللهِ بمَكَان ، ولا غَرْوَ فإنَّ
العِلْمَ تَابعٌ للمعلُومِ ، يَشْرُفُ بشَرَفِهِ وَيَتَّضِعُ بِضِعَتِهِ ، وإذا كانَ معلُومُ هذا العِلْمِ هو اللهُ
جلَّ جلالُهُ ، وصِفَاتُهُ ، وما يَجُوزُ عليهِ وما لا يَجُوزُ ، فَمَا ظَنُّكَ بِشَرَفِ منْزلَتِهِ وعُلُوِّ
شَأْنِهِ وجَلاَلَةِ رُتْبَتِهِ ؟
وعنِ الباقرِ ( عليه السلام ) : إذا فَرِغْتَ من قِرَاءَة ( قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ ) فَقُلْ : كذلك اللهُ ربِّي ،
ثلاثاً ( 5 ) .
ويُرْوَى : أنَّ النَّبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يَقِفُ عنْدَ آخرِ كلِّ آية مِنْ هذِهِ السُّورَة ( 6 ) .
هامش
( 1 ) في نسخة : " بالأزليَّة " .
( 2 ) وهي قراءة حمزة وحده . راجع التيسير في القراءات للداني : ص 226 .
( 3 ) قرأ حمزة في الوصل وأبو عمرو برواية محبوب عنه ونافع برواية بالهمز خفيفة ، وقرأ
ابن كثير وابن عامر والكسائي وأبو عمرو برواية اليزيدي وعبد الوارث وعاصم برواية
أبي بكر عنه بالهمز مثقلة ، راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 701 - 702 .
( 4 ) أُنظر التوحيد للصدوق : ص 95 ، والكافي : ج 2 ص 621 ح 7 .
( 5 ) أورده في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : ج 1 ص 133 ح 30 .
( 6 ) رواه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 10 ص 432 . وفي الكافي : ج 2 ص 616 ح 12 عن
أبي عبد الله ( عليه السلام ) : يكره أن يقرأ ( قُلْ هُو الله أَحَد ) بنَفس واحد .