و ( أَحَدٌ ) أَصْلُهُ : وَحَدٌ ، وَقُرئَ : " أَحَد اللهُ " ، بغَيْرِ تَنْوين ( 1 ) أُسْقِطَ لمُلاقَاتِهِ لاَمَ
التَّعريفِ ، ونَحْوُهُ :
ولاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّ قَليلاً ( 2 )
والأحْسَنُ التَّنوينُ ، وكسرُهُ لالتقَاءِ السَّاكنَيْنِ .
و ( الصَّمَدُ ) فَعَلٌ ، بمعنَى مفْعُول ، مِن : صَمَدَ إليهِ في الحَوائِجِ أي : قَصَدَ ،
والمعنى : هو الله الذي تَعرفُونَهُ وتُقِرُّونَ أنَّه خَالِقُ السَّماواتِ والأَرضِ وخَالِقُكُم ،
وهو وَاحِدٌ مُتَوحِّدٌ بالإِلهيَّةِ لا يُشَارِكُهُ فيها غَيْرُهُ ، وهو الذي يُصْمَدُ إليهِ في الحَوائجِ ،
لا يَستَغْني عَنْهُ أَحَدٌ من المَخْلُوقينَ ، وهو الغنيُّ عن جَميعِهِم .
( لَمْ يَلِدْ ) لأنَّهُ لا يُجَانَسُ حتَّى يكُونَ لَهُ من جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوالَدَا ، وقَد دَلَّ
على هذا المعنى بقَولِهِ : ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ) ( 3 ) . ( وَلَمْ
يُولَدْ ) لأنَّ كُلَّ مولُود مُحْدَثٌ وجِسْمٌ ، وهو قَديمٌ لا أَوَّلَ لوجُودِهِ وليسَ بجِسْم .
( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً ) أي : شِكْلاً وَمِثْلاً ( أَحْدٌ ) أي : لَمْ يُكَافِئْهُ أَحَدٌ ولَمْ يُمَاثِلْهُ ،
ويجُوزُ أن يكُونَ من الكَفَاءَةِ في النِّكاحِ نَفْياً للصَّاحِبَة .
سألُوهُ أن يَصِفَ لَهُم رَبَّهُ ، فَنَزَلَتْ السُّورةُ محْتَوِيَةً على صِفَاتِهِ عزَّ اسمُهُ ، لأنَّ
قَولَهُ : ( هُوَ اللهُ ) إشَارةٌ لَهُم إلى مَنْ هو خَالِقُ الأَشياءِ ومُنْشِئُها ، وفي ضِمْنِ ذلكَ
وَصَفَهُ بأنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ ، لأنَّ الخَلْقَ والإِنْشَاءَ لا يكُونُ إلاَّ من عَالِم قَادِر لوقُوعِهِ على
غَايةِ الإِحْكامِ والاتِّساقِ والانتظَامِ ، وفي ذلكَ وَصَفَهُ بأنَّهُ حيٌّ موجُودٌ سَميعٌ بَصيرٌ ،
وقَولُهُ : ( أَحَدٌ ) وَصْفٌ لَهُ بالوحدَانيَّةِ ونَفْي الشُّرَكَاءِ عَنْهُ ، و ( الصَّمَدُ ) وَصْفٌ لَهُ
هامش
( 1 ) وهي قراءة أبي عمرو وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 701 .
( 2 ) وصدره : فألفيته غَيرَ مستعتب . لأبي الأسود الدؤلي من أبيات يعاتب فيها امرأته ، وكنّى
بضمير المذكّر عنها استحياءً . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج 11 ص 374 وما بعده .
( 3 ) الأنعام : 101 .