وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 3 ) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَن
صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ( 6 ) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ( 7 ) )
أي : هَلْ عَرِفْتَ ( الَّذِي يُكَذِّبُ ) بالجَزَاءِ والحِسَابِ ويُنْكِرُ البَعْثَ ؟ مَنْ هو ، إنْ
لَمْ تَعْرِفْهُ ( فَذلِكَ ) الَّذي يُكَذِّبُ بالجَزَاءِ هُوَ ( الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) أي : يَدْفَعُهُ دَفْعاً
عَنيفاً بِجفْوة وغِلْظَة ، ويردُّهُ ردّاً قَبيحاً بزَجْر وخُشُونَة . ( وَلا يَحُضُّ ) ولا يَبْعَثُ
أَهْلَهُ ( عَلَى ) بَذْلِ ( طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) فَلاَ يُطْعِمُهُ ولا يَأْمُرُ بإطْعامِهِ ، جَعَلَ سبحانَهُ
عِلْمَ التَّكْذيبِ بالجَزاءِ مَنْعَ المَعْروفِ والإِقْدامَ على إيْذَاءِ الضَّعيفِ ، يعني : أنَّه لَو آمَنَ
بالجَزَاءِ ، وأيْقَنَ بالحِسَابِ ، ورَجَا الثَّوابَ ، وخَافَ العِقَابَ لَمَا أَقْدَمَ على ذلك ، فحينَ
اجتَرأَ على ذلك عُلِمَ أنَّه مُكَذِّبٌ .
فما أشَدَّ هذا من كلام ! وما أَخْوَفَهُ من مَقَام ! وما أَبْلَغَهُ في التَّحذيرِ من ارتكابِ
المَعَاصي والآثَامِ ! وإنَّها جَديرةٌ بأَن يُستَدَلَّ بها على ضعْفِ الإيْمانِ . ثمَّ وَصَلَ بهِ
قَولُهُ : ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ) كأنَّه قَالَ : وإذا كانَ الأَمرُ كذلكَ فَويْلٌ للمُصَلِّينَ ( الَّذِينَ )
يَسْهونَ عن الصَّلاةِ قِلَّةَ مُبَالاَة بها حتَّى تَفُوتَهُم أو يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، أو : يَستَخِفُّونَ
بأَفْعالِها فلا يُصَلُّونَها كَمَا أُمِرُوا في تَأْديةِ أَرْكانِها والقِيامِ بحدُودِها وحقُوقِها ، ولكنْ
ينْقُرونَها نَقْرَ الغُرابِ من غير خُشُوع وإِخْبَات واجتنَابِ المكْرُوهاتِ من : الْعَبثِ
بالشَّعَرِ والثِّيابِ ، وكَثْرَةِ التَّثَاؤُبِ ، والتَّمَطِّي ، والالتفاتِ ، الذينَ عادَتُهُم الرِّيَاءُ
والسُّمْعَةُ بأَعْمالِهِم ، ولا يَقْصدُونَ به الإِخْلاصَ والتَّقَرُّبَ إلى اللهِ سبحانَهُ على وَجْهِ
الاختِصَاصِ ( وَيَمْنَعُونَ ) حُقُوقَ اللهِ تعالى في أَموالِهِم . والمعنى : أنَّ هؤلاءِ هُمُ
الأحِقَّاءُ بأَن يكُونُوا سَاهِينَ عن الصَّلاةِ التي هي عِمَادُ الدِّينِ ، والفَارِقُ بين الإِيمانِ
والكُفْرِ ، وملْتَبسينَ بالرِّياءِ الذي هو شُعْبَةٌ من الشِّرْكِ ، ومَانِعِينَ للزَّكاةِ التي هي
تفسير جوامع الجامع — صفحة 852
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٨٥٢