بَنَى أَبْرَهَةُ بنُ الصَّباحِ الأَشْرَم مَلِكُ اليَمَنِ كَنيسةً بصَنْعَاء ، وأَرادَ أن يَصْرِفَ إليها
الحَاجَّ ، فَخَرَجَ رجلٌ من كنانَةَ فَقَعَدَ فيها ليلاً ، فأَغْضَبَهُ ذلكَ وأَزْمَعَ أَن يَهْدِمَ الكَعْبةَ ،
فَخَرَجَ بالحَبَشَةِ ومَعَهُ فِيلٌ اسمُهُ محْمُودٌ ، وكانَ قَويَّاً عَظيماً ، وقيلَ : كانَ مَعَهُ اثنا عَشَر
فيلاً غَيْرَهُ ، فلمَّا بَلَغَ المُغَمَّسَ ( 1 ) خَرَج إليهِ عبدُ المُطَّلب وقد أُخِذَ لَهُ مائِتا بَعير ، وكانَ
رَجُلاً جَسيماً وَسيماً ، فقيلَ لهُ : هذا سَيِّدُ قُرَيْش ، فَأعْظَمَهُ ونَزَلَ من سريرِهِ وجَلَسَ
على الأَرضِ وأَجْلَسَهُ مَعَهُ ، ثمَّ قالَ : ما حَاجَتُكَ ؟ قالَ : حاجَتي مائِتا بَعير أَصَابَتْها
مقدِّمَتُكَ ، فَقَالَ لهُ : لَقَد سَقَطْتَ من عيني ، جئْتُ لأَهْدِمَ البيتَ الذي هو عزُّكُم
وشَرَفُكُم وَدينُكم ، فأَلْهَاكَ عنْهُ ذَودٌ أُخِذَ لَكَ ؟ ! فَقَالَ : أنا ربُّ الإِبلِ ، وللبَيْتِ رَبٌّ
سيَمْنَعُهُ ، فَرَاعَ ذلكَ أَبْرَهَةَ وأَمَرَ بِرَدِّ إبِلِهِ عليهِ ، ورَجعَ وأَتى إلى بابِ البَيْتِ فأَخَذَ
بحَلقتِهِ وهو يقُولُ :
لا هُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ . . . نَعُ أَهلَهُ * فامْنَعْ حِلالَكْ
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ * ومِحَالُهُمْ عَدْواً مِحالَكْ
إِنْ كنْتَ تارِكَهُم وكَعبَتَنَا * فَأَمْرٌ ما بَدَا لَكْ
[ وقال أيضاً : ] ( 2 ) :
يا ربِّ لا أرْجُو لَهُم سِوَاكا * يا رَبِّ فامْنَعْ مِنْهُم حِمَاكا
فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو الْيَمن ، فقال : والله إنها لَطَيْرٌ غريبة ، ما
هي ببحريَّة [ بنجديَّة ] ولا تهاميَّة . . . ( 3 )
( أَلَمْ تَرَ ) معنَاهُ : أنَّكَ رأَيْتَ آثارَ فِعلِ اللهِ بالحَبَشَةِ الذين قَصَدوا تَخْريبَ
الكَعْبَةِ ( بأَصْحَابِ الْفِيلِ ) وكانَ ذلكَ العَام الذي وُلِدَ فيه رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
هامش
( 1 ) المُغَمَّسُ : موضع من مكة .
( 2 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 3 ) روى قصّة أصحاب الفيل بطولها ابن إسحاق في سيرته : ص 61 - 70 .