الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ثُمَّ لَتُسَْلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 ) )
( أَلْهَكُمُ ) أي : شَغَلَكُم عن ذِكْرِ الآخِرَةِ التَّبارِي في كَثْرَةِ المَالِ ، والتَّبَاهِي بِهَا ،
والتَّفَاخُرُ . ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) أي : حتَّى أَدْرَكَكُم المَوْتُ على تلكَ الحَالِ ، وقيلَ :
معنَاهُ : أَنَّكم تَكَاثَرْتُم بالأَحْياءِ حتَّى إذَا استَوعَبْتُم عَدَدَهُم صِرْتُم إلى المَقَابِر
فَتَكَاثَرْتُم بالأَمْوات ( 1 ) . عَبَّرَ عن بُلُوغِهِم ذِكْرَ المَوْتى بزيَارَةِ المَقَابِرِ تَهَكُّماً بِهِم .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ وتَنْبيهٌ على أنَّه لا يَنْبغي أن تكُونَ الدُّنْيا جَميعَ هِمَّةِ الإِنْسانِ حتَّى
لا يَهْتَمَّ بأُمورِ دينِهِ ( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) وَعيدٌ لِيَخَافُوا وَلِيَتَنَبَّهُوا عن غَفْلَتِهِم . والتّكْريرُ
تَأْكِيدٌ للرَّدْعِ والإِنْذَارِ عَلَيهم ، وفي ( ثُمَّ ) دَلاَلَةٌ على أنَّ الإِنْذَارَ الثَّاني أَشَدُّ من
الأَوَّلِ ، والمعنى : سَوفَ تَعْلَمُون الخَطَأَ في ما أَنْتُم عليهِ إذا عايَنْتُم ما قُدَّامَكُم من
هَوْلِ المطَّلعِ . ثمَّ كَرَّرَ التَّنْبيهَ أَيْضاً وقَالَ : ( لَوْ تَعْلَمُونَ ) أي : لَوْ تَعْلَمُونَ ما بينَ
أَيدِيكُم ( عِلْمَ ) الأَمْرِ ( الْيَقِينِ ) أي : كَعِلْمِكُم ما تَستَيْقنُونَهُ من الأُمورِ ، لَفَعَلْتُم ما لا
يُوصَفُ ، ولكنَّكُم ضُلاَّلٌ جَهَلَةٌ . فَحُذِفَ جَوابُ ( لَوْ ) .
( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) جَوابُ قَسَم محذُوف ، والقَسَمُ لَتوْكيدِ الوَعيدِ ، وبَيَانِ ما
أَوْعَدَهُم بهِ وأَنْذَرَهُم منْهُ ، ثمَّ كَرَّرَ ذلكَ تَغْليظاً في التَّهديدِ وزيَادَةً في التَّهويلِ ،
وقُرِئَ : " لَتُرَوُنَّ " على البنَاءِ للمفْعُولِ ( 2 ) . ( عَيْنَ الْيَقِينِ ) الرُّؤْيةَ التي هي نَفْسُ
اليَقينِ وخَالِصُهُ ، ويجُوزُ أَن يُرادَ بالرُّؤْيةِ العِلْمُ والإِبْصَارُ . ( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ
الْنَّعِيم ) عن التَّنَعُّمِ الذي شَغَلَكُم الالتِذَاذُ بهِ عن أُمورِ الدِّين .
* * *
هامش
( 1 ) قاله الكلبي . راجع تفسير السمرقندي : ج 3 ص 506 .
( 2 ) قرأه ابن عامر والكسائي . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 695 .