والمُضَافُ هو الْمَكِيلُ أَو المَوْزونُ ، ولا يَجُوزُ أن يكُونَ ضَميراً مرْفُوعاً للّمطفِّفين
لأنَّه يَصيرُ المعنى : إذا أَخَذُوا من النَّاسِ استَوْفَوْا ، وإذا تَوَلَّوا الكَيْلَ أو الوَزْنَ هُم
علَى الخُصُوصِ أَخْسَرُوا ، وهذا الكلامُ متَنَافرٌ ؛ لأنَّ الحَديثَ وَاقِعٌ في الفِعْلِ لا في
المُبَاشِرِ ، ومعنى ( يُخْسِرُونَ ) : يُنْقِصُونَ ، يقَالُ : خَسَرَ الميزانَ وأَخْسَرَهُ .
( ألاَ يَظُنُّ أُوْلئِكَ ) تَعجيبٌ وإنْكارٌ عظيمٌ عليهم في الاجْتِراءِ على التَّطفيفِ ،
كأنَّهُ لا يَخْطُرُ ببَالِهِم ( أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ) ومحَاسَبُونَ ، وعن قَتَادَةَ : أَوْفِ يا بنَ آدمَ كَمَا
تُحِبُّ أَن يُوفَى لك ، واعْدلْ كَمَا تُحِبُّ أَن يُعْدَلَ لك ( 1 ) .
وذُكِرَ : أنَّ أَعْرابيَّاً قَالَ لعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ : قَدْ سَمِعْتَ ما قَالَ اللهُ في
المُطَفِّفِينَ ؟ أَرادَ بذلكَ أنَّ المُطَفِّفَ قَد تَوَجَّهَ عليهِ هذا الوَعيدُ العظيمُ ، فَمَا ظَنُّكَ
بنَفْسِكَ وأنتَ تأْخُذُ أَموالَ المسلمينَ بلا كَيْل ولا وَزْن ؟ ( 2 )
وقيلَ : إنَّ الظَّنَّ بمعنَى اليَقينِ ( 3 ) . و ( يَوْمَ يَقُومُ ) ظَرْفٌ ل ( مَبْعُوثُونَ ) .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ عن التطَّفْيفِ والغَفْلةِ عن ذِكْرِ الحِسَابِ والبَعْثِ ( إِنَّ كِتَبَ
الْفُجَّارِ ) أي : ما يُكْتَبُ من أَعْمالِهِم ( لَفِي سِجِّين ) قيلَ : هو جُبٌّ في جَهَنَّمَ ( 4 ) .
و ( كِتَبٌ مَرقُومٌ ) خَبْرُ مبتَدَأ مُضْمَر تَقْديرُهُ : هو كِتَابٌ ، أي : هو مَوْضِعُ كِتَاب ،
فَحُذِفَ المبتَدَأُ والمُضَافُ جميعاً ، وقيل ( 5 ) : ( سِجِّين ) كتابٌ جَامِعٌ هو ديوانُ
الشَّرِّ ، دوَّنَ اللهُ فيهِ أَعْمَالَ الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ من الجِّنِّ والإِنْسِ ، وهو ( كِتَبٌ مَرْقُومٌ )
مَسْطُورُ بيِّنُ الكِتَابةِ ، أو : مَعْلَمٌ يَعْلَمُ مَنْ رآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فيهِ ، والمعنى : أنَّ ما كُتِبَ
هامش
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 720 .
( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره : ج 31 ص 89 .
( 3 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 504 .
( 4 ) رواه أبو هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 488 .
( 5 ) قاله قتادة وابن زيد راجع المصدر السابق : ص 489 .