وقيل للفُضَيْلِ بنِ عِيَاض : إنْ أَقَامَكَ الله يَوْمَ القيامةِ وقَالَ : ( مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ
الْكَرِيمِ ) فَماذا تَقُولُ ؟ قَالَ : أقُولُ : غَرَّتْني ستُورُكَ المُرْخَاة ( 1 ) . وعن يَحيى بنِ
مَعَاذ : أَقُولُ : غَرَّني بِكَ بِرُّكَ بي سَالِفاً وآنفاً ( 2 ) . وعنْ غَيْرِهِ ( 3 ) : أنَّه سبحانَهُ إنَّما ذَكَرَ
( الْكَرِيم ) من بينِ سائرِ أَسمائِهِ لأنَّهُ كأَنَّه لقَّنَهُ الإِجَابَةَ حتَّى يقُولَ : غَرَّني كَرَمُ
الكَرِيمِ .
كَمَا يُروى عن أَميرِ المؤمنين ( عليه السلام ) أنَّه صَاحَ بِغُلام لَهُ مرَّات فَلمْ يُلَبِّه ، فَنَظَرَ فإذا
هو بالبابِ فَقَالَ لَهُ : مَا لَكَ لَمْ تُجِبْني ؟ فَقَالَ : لِثَقَتي بِحِلْمِكَ ، وَأَمْني من عقُوبَتِك ،
فاستَحسَنَ جَوابَهُ وأَعتَقَهُ ( 4 ) .
( فَسَواكَ ) فَجَعَلَكَ سَوِيّاً سَالِمَ الأَعْضَاءِ " فَعَدَّلَكَ " ( 5 ) فَصَيَّرَكَ معْتَدِلاً
متَنَاسِبَ الخَلْقِ ، وقُرِئَ : ( فَعَدَلَكَ ) بالتَّخفيفِ ، وفيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُما : أن يكُونَ
بمعنى المُشَدَّدِ ، أي : عَدَّلَ بعضَ أَعضائِكَ ببعْض حتَّى اعتَدَلْتَ ، والآخَرُ : فَصَرَفَكَ
عن خلْقَةِ غَيْرِكَ وخَلَقَكَ خلْقَة حَسَنَةً ، يُقَالُ : عَدَلَهُ عن الطَّريقِ أي : صَرَفَهُ . " مَا " في
( مَا شَآءَ ) مَزيدَةٌ ، أي : ( رَكَّبَكَ ) في أيِّ صُورة اقْتَضَتْها مَشيئتُهُ وحِكْمَتُهُ من
الصُّوَرِ المختلفَةِ في الحُسْنِ والقُبْحِ ، والطُّولِ والْقِصَرِ ، والشَّبَهِ ببعضِ الأَقَاربِ
وخِلاَفِ الشَّبَهِ ، وهذهِ الجُملةُ بَيَانٌ ل " عدَّلَكَ " . وتَعَلَّقَ الجارُّ والمجْرورُ
ب ( رَكَّبَكَ ) على معنى : وَضَعَكَ في بعض الصُوَرِ ، ويَجُوزُ أن يَتَعَلَّقَ بِ ( عَدَلَكَ )
هامش
( 1 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 455 .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) نسبه البغوي في تفسيره : ص 456 إلى بعض أهل الإشارة ، وفي الكشّاف : ج 4 ص 715
إلى الحشوية .
( 4 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 715 .
( 5 ) الظاهر أنّ المصنّف قد اعتمد هنا - تبعاً للكشّاف - على قراءة التشديد ، وهي قراءة
الجمهور غير الكوفيّين راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 674 .