ويكُونَ في معنَى التَّعَجُّبِ ، أي : فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورة عَجيبة ، ثمَّ قَالَ : ( مَا شَآءَ
رَكَّبَكَ ) ، أي : رَكَّبَكَ ما شَاءَ من التَّراكيبِ ، يَعني : تَركيباً حَسَناً .
( كَلاَّ ) أي : ارْتَدِعُوا من الاغتِرَارِ باللهِ ( بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) أَصْلاً ، وهو
الجَزَاءُ ، أو : دينُ الإِسلامِ . ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحفِظِينَ ) من الملائكةِ يكتُبُونَ عليكُم
أَعْمَالَكُم لِتُجَازَوْا بِها ( إِنَّ ) أَوْلياءَ اللهِ ( الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم وَإِنَّ ) الَّذينَ يُكَذِّبونَ
بالدِّينِ ( الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم يَصْلَوْنَهَا ) أي : يَلْزَمُونَها بكَونِهِم فيها . ( وَمَا هُمْ عَنْهَا
بِغَآئِبِينَ ) مثْلُ قَولِهِ : ( وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنْهَا ) ( 1 ) .
( وَمَآ أَدْرَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ) يعني : أنَّ أَمْرَ يَوْمِ الدِّينِ بحيثُ لا تُدْرِكُ درَاية
دَار كُنْههُ في الهَوْلِ والشِّدَّةِ ، وكيفَما تَصَوَّرْتَهُ فهو فَوقَ ذلك ، والتَّكريرُ لِزيَادَةِ
التَّهْويلِ . ثمَّ أَجْمَلَ القَوْلَ في وَصْفِهِ فَقَالَ : ( يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْس شَيْئاً ) أي : لا
تَستطيعُ دَفْعاً عنْها ، ولا نَفْعاً لها ، ولا شَفَاعةً إِلاَّ بإذْنِهِ وأَمْرِهِ ( وَالأَمْرُ يَوْمَئِذ )
والحُكْمُ في الجَزَاءِ والثَّوابِ والعَفْوِ والعُقُوبةِ ( للهِِ ) وَحْدَهُ . وقُرِئَ : " يَومُ لا تَمْلِكُ "
بالرَّفعِ ( 2 ) على البَدَلِ من ( يَوْمُ الدِّينِ ) ، أو : على تَقْديرِ : هو يُوْمٌ لا تَمْلِكُ ،
وبالنَّصْبِ على إضْمَارِ : يُدانُونَ ، لأنَّ ( الدِّين ) يدُلُّ عليهِ ، أو : تَرْكِ ما يَكُونُ عليهِ
في أَكْثَرِ الأَمْرِ من كَونِهِ ظَرْفاً ( 3 ) ، وهو في مَحَلِّ الرَّفْعِ ، ونَحْوُهُ : ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُفْتَنُونَ ) ( 4 ) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ .
* * *
هامش
( 1 ) المائدة : 37 .
( 2 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 674 .
( 3 ) يريد : أنَّ " اليوم " ممّا جرى في أكثر الأمر ظرفاً تُرِك عليه .
( 4 ) الذَّاريات : 13 .