والاستِثْناءُ منْقَطِعٌ ، والمعنى : لا يذُوقُونَ فيها بَرْداً ورَوْحاً يُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ
النَّارِ ، ولا شَراباً يُسَكِّنُ من عَطَشِهِم ، ولكنْ يذُوقُونَ فيها حَميماً وغَسَّاقاً . وقيلَ :
البَرْدُ : النَّومُ ( 1 ) ، قَالُوا : مَنَعَ البَردُ البَردَ ، وقُرِئَ : ( غَسَّاقاً ) بالتَّخفيفِ ( 2 ) والتَّشديدِ ،
وهو ما يَغْسِقُ أي : يَسيلُ من صَديدِ أَهْلِ النَّارِ . ( جَزَآءً وِفَاقاً ) وُصِفَ بالمصدَرِ ، أو :
أُريدَ : ذا وِفَاق يُوافِقُ أَعْمالَهُم .
( كِذَّاباً ) أي : تَكْذيباً ، و " فِعَّالٌ " قِيَاسٌ في مَصْدَرِ " فَعَّلَ " مِثْلُ : " فِعْلاَل "
ل " فَعْلَلَ " ، وقُرِئَ بالتَّخفيفِ ( 3 ) ، رُوِيَ ذلك عن عليٍّ ( عليه السلام ) ( 4 ) ، وهو مَصْدَرُ " كَذَبَ " ،
قَالَ الأَعشى :
فَصَدَقْتُها ، وكَذَبْتُها * والمَرءُ ينفَعُهُ كِذابُهْ ( 5 )
فَيكُونُ مثْلُ : ( أَنْبَتَكُم مِّنَ الأْرْضِ نَبَاتاً ) ( 6 ) ، يَعني : وَكَذَبُوا بِآيَاتِنَا كِذَاباً ، أو :
انتَصَبَ ب ( كَذَّبُواْ ) لأنَّه يَتَضَمَّنُ معنى " كَذَبُوا " ، لأنَّ كلَّ مكَذِّب بالحقِّ كَاذِبٌ .
( كِتَباً ) مَصْدَرٌ في موضِعِ " إحْصَاءً " ، أو : يكُونُ : " أَحْصَيْنَا " في معنى :
" كَتَبْنَا " ، لالتِقَائِهِما في معنَى الضَّبْطِ والتَّحصيلِ ، أو : يكُونُ حالاً في معنى : مكْتُوباً
في اللُّوحِ وفي صُحُفِ الحَفَظَةِ . والمعنى : إِحْصَاء مَعَاصِيهِم ، وهو اعْتِراضٌ .
وقَولُهُ : ( فَذُوقُواْ ) مُسَبَّبٌ عن كُفْرِهِم بالحِسَابِ وتَكذيبِهِم بالآياتِ . وعن
النَّبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " هذهِ الآيةُ أَشَدُّ ما في القُرآنِ على أَهلِ النَّارِ " ( 7 ) . وحَسْبُكَ ب ( لَنْ
هامش
( 1 ) قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة . راجع تفسير الماوردي : ج 6 ص 187 .
( 2 ) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 669 .
( 3 ) قرأه الكسائي وحده . راجع المصدر السابق .
( 4 ) رواه عنه النحّاس في إعراب القرآن : ج 5 ص 133 .
( 5 ) لم نجده في ديوانه المطبوع ، ومعناه واضح . انظر الكامل للمبرّد : ج 2 ص 747 .
( 6 ) نوح : 17 .
( 7 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 690 مرسلاً .