وقَولُهُ : ( عَسِيرٌ ) يُغْني عنْهُ ، لِيؤْذِنَ أنَّه لا يكُونُ عليهم يَسيراً كَمَا يكُونُ على
المؤْمنينَ ، فيكُونُ جَمْعاً بين وَعيدِ الكافرينَ وَوَعْدِ المؤْمنينَ .
( ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ ) - هُ ( وَحِيداً ) أي : متَوحِّداً بخَلْقِهِ ، يعني : وَليدَ بنَ المُغِيرَة ،
يُريدُ : دَعْني وإيَّاهُ ، وخَلِّ بيني وبينَهُ ، فإنِي أُجْزِئُكَ في الانتقامِ منْهُ عن كلِّ منْتَقم ،
فهو حَالُ من اللهِ على معنَيَيْنِ : بمعنى : ذَرْني وَحْدي مَعَهُ ، أو خَلَقْتُهُ وَحْدي ، أو :
حَالٌ من المَخْلُوقِ بمعنى : خَلَقْتُهُ وهو وَحيدٌ فريدٌ لا مَالَ لَهُ . وَرُوِيَ عن الباقر ( عليه السلام )
أنَّ الوَحيد مَنْ لا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ ( 1 ) .
( مَالاً مَمْدُوداً ) أي : مَبسُوطاً كثيراً ، عنِ ابنِ عبَّاس ( 2 ) : هو ما كانَ له بين مكَّةَ
والطَّائِفِ من صنُوفِ الأموالِ ، من الإِبلِ المؤَبَّلَةِ ، والخَيْلِ المسوَّمةِ ، والمستَغلاَّتِ
التي لا تَنْقَطِعُ غَلاَّتُها ، وكانَ له مائةُ أَلف دينار ، وعَشْرُ ( بَنِينَ شُهُوداً ) أي : حُضُوراً
معه بمكَّةَ لا يَغيبُونَ عَنْهُ ؛ لِغِنَاهُم عن رُكُوبِ السَّفرِ للتِّجارةِ ، أَسْلَمَ منْهُم ثَلاثَةٌ :
خَالدُ بنُ الوَليدِ ، وهِشَامٌ ، وَعمَارَةُ . ( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) أي : وبَسَطْتُ له الجَاهَ
العَريضَ والرئاسةَ في قَوْمِهِ . ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) استبْعاداً لِطَمَعِهِ وحرْصِهِ .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ لَه وقَطْعٌ لِطَمَعِهِ ( إِنَّهُ كَانَ لاِيَتِنَا عَنِيداً ) تَعليلٌ للرَّدْعِ على وَجْهِ
الاستِئْنافِ ، أي : كانَ معَانِداً لحُجَجنا وآياتِنا مع مَعْرفتِهِ بها ، كَافِراً بذلك لِنِعَمِنا ،
والكافرُ لا يستَحقُّ المَزيدَ ، ورُوِيَ : أنَّه ما زَالَ بعدَ نُزُولِ هذه الآيةِ في نُقْصَان
من مالِهِ حتَّى هَلَك ( 3 ) . ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) سأَغْشِيَهُ عَقَبةً شَّاقَّةَ المَصْعَدِ ، وهو مَثَلٌ
لِمَا يَلْقَى من العقُوبةِ الشَّديدةِ التي لا تُطَاقُ .
( إِنَّهُ فَكَّرَ ) تَعليلٌ للوَعيدِ ، أو : بَدَلٌ من ( إِنَّه كَانَ لاِيَتِنَا عَنِيداً ) ، بَيَاناً لكُنْهِ
هامش
( 1 ) رواه العياشي في تفسيره كما في مجمع البيان : ج 10 ص 387 .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 647 .
( 3 ) رواه مقاتل . راجع البحر المحيط لأبي حيان : ج 8 ص 373 .