وهو في السَّماءِ الدُّنيا لأنَّ بينَ السَّماواتِ مُلاَبَسَةً من حيثُ إنَّها طِبَاقٌ ، واحِدَةٌ فَوْقَ
الأُخرى كَالْقِبَابِ ، فَجَازَ أن يقَالَ : فيهِنَّ كَذَا ، كما يقَالُ : في المَدينَةِ كذا ، وهو في
بعضِ نَوَاحِيها ( وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً ) يُبْصِرُ أَهلُ الدُّنيا في ضُوْئِها كَمَا يُبْصِرُ
أَهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يحتَاجُونَ إلى إبْصارِهِ ، والقَمَرُ ليس كذلكَ إِنَّما
هو نُورٌ لَم يَبلُغْ قوَّةَ ضِيَاءِ الشَّمسِ .
( وَاللهُ أنْبَتَكُمْ ) استَعَارَ الإِنْباتَ للإِنْشَاءِ كَمَا يقَالُ : زَرَعَكَ اللهُ للخَيْرِ ، والمعنى :
أَنْبَتَكُم فَنَبتُّمْ نَبَاتاً ، أو : نُصِبَ ( أَنْبَتَكُم ) لِتَضَمُّنِهِ معنى " نَبَتُّم " . ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا )
أَمْواتاً مقْبُورينَ ( وَيُخْرِجُكُمْ ) منْها عنْدَ البَعْثِ ، وأَكَّدَهُ بالمَصْدَرِ كأنَّهُ قَالَ :
يُخْرِجُكُم لا مَحَالَةَ . ( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأْرْضَ بِسَاطاً ) مبْسُوطَةً تَتَقَلَّبُونَ عليها كَمَا
يَتَقَلَّبُ الرَّجُلُ على بسَاطِهِ ، وَالْفِجَاج : الطُّرُقُ الواسِعَةُ المنْفَجَّةُ .
جَعَلَ أموالَهُم وأَولادَهُم التي لَمْ تَزِدْهُم في الدُّنيا إلاَّ وَجَاهَةً زائِدَةً ( خَسَاراً )
في الآخِرَةِ ، وجَعَلَ ذلكَ سِمَةً يُعْرفُونَ بها ، وصِفَةً لازِمَةً لَهُم ، أي : اتَّبَعُوا رؤُوسَهُم
المقَدَّمِينَ أَصْحَابَ الأَمْوالِ وتَرَكُوا اتِّباعِي ، وقُرِئَ : ( وَوَلَدُهُ ) ، " وَوُلْدُه " ( 1 ) .
( وَمَكَرُواْ ) معْطُوفٌ على ( لَمْ يَزِدْهُ ) وجُمِعَ الضَّميرُ الرَّاجِعُ إلى ( مَنْ ) على
المعنى ، والماكِرُونَ هُمُ الرُّؤَسَاءُ ، ومَكْرُهُم : كَيْدُهُم لنُوح ( عليه السلام ) ، وَصَدُّ النَّاسِ عن
الاستِمَاعِ منْهُ ، وقَولُهُم لَهُم : ( لاَ تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ ) ، ( مَكْراً كُبَّاراً ) قُرِئَ
بالتَّخفيفِ ( 2 ) والتَّثقيلِ . والكُبَارُ : أَكْبَرُ من الكَبيرِ ، والكُبَّارُ بالتَّشديدِ : أَكْبَرُ من الكُبَارِ .
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع برواية خارجة عنه . راجع كتاب السبعة
في القراءات : ص 652 .
( 2 ) يعني " كُبَاراً " من غير تشديد ، وقد قرأه عيسى وأبو السمَّال وابن محيصن ، غير أن الأخير
كسر الكاف . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 162 .