( وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا ) قُرِئَ بضَمِ الواوِ ( 1 ) وفَتْحِها ، وكانَتْ هذهِ الأَصْنَامُ ( 2 )
المذكُورةُ أَسْمَاؤُها أَعْظَمَ أَصنَامِهِم عنْدَهم فَخَصُّوها بَعدَ قَولِهِم : ( لاَ تَذَرُنَّ
ءَالِهَتَكُمْ ) ، وقَد انتَقَلَتْ هذهِ الأصنَامُ إلى العَرَبِ : فَكَانَ وَدٌّ لِكَلْبِ ، وسُوَاعٌ لِهِمْدَانِ ،
ويَغُوثُ لِمذْحج ، ويَعُوقُ لِمُرَادِ ، ونَسْرٌ لِحِمْيَرَ ، ولذلكَ سُمِّيَتِ العَرَبُ ب " عَبْدِ وَدٍّ "
و " عَبْدِ يَغُوثَ " . ( وَقَدْ أَضَلُّواْ ) الضَّميرُ للرُّؤَسَاءِ ، ومعنَاهُ : وقَد أَضَلُّوا ( كَثِيراً )
قَبْلَ هؤلاءِ ، أو : قَد أَضَلَّوا بإضْلالِهِم قَوْماً كَثيراً .
( وَلاَ تَزِدِ الْظَّلِمِينَ ) مَعْطُوفٌ على قَولِهِ : ( رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى ) أي : قَالَ
نُوحٌ : ( رَبِّ إِنَّهُم عَصَوْنِى ) وَقَالَ : ( وَلاَ تَزِدِ الظَّلِمِينَ إِلاَّ ضَلَلاً ) والمُرادُ
بالضَّلاَلِ : أَن يُخْذَلُوا ويُمْنَعوا الأَلْطافَ لِتَصْميمِهِم على الكُفْرِ وَوقُوعِ اليَأْسِ من
إيْمانِهِم ، أو : يُريدُ بهِ الهَلاَكَ والضَّياعَ كَقَولِهِ : ( وَلاَ تَزِدِ الْظَّلِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ) .
وقَدَّمَ سبحانَهُ قولَهُ : ( مِمَّا خَطِيئتِهِمْ ) لبَيَانِ أنَّ إِغْرَاقَهم ما كانَ إلاَّ من أَجْلِ
خَطَايَاهُم ، وكَذَا إدْخَالُهُم النَّار . وقُرئَ : ( خَطِيئتِهِمْ ) بالهَمْزَةِ ، و " خَطِيَّاتِهِمْ " بقَلْبِ
الهَمْزةِ ياءً وإدْغَامِها ( 3 ) و " خَطَايَاهُمْ " ( 4 ) ، و " مَا " مَزيَدةٌ ، وقَالَ : ( فَأُدْخِلُواْ )
بالفَاءِ لأنَّ دخُولَهُم النَّارَ كأنَّه مُتَعَقِّبٌ لإِغْراقِهِم ، كأنَّه قَد كانَ لاقترابِهِ أو : لإِرَادَةِ
عَذَابِ القَبْرِ ، وعنِ الضَّحَّاكِ : كانُوا يُغْرَقُونَ من جَانِب ويُحْرَقُونَ من جَانِب ( 5 ) .
وتَنْكيرُ النَّارِ : إِمَّا لِتَعْظيمِها ، وإِمَّا لأَنَّ اللهَ سبحانَهُ أَعَدَّ لَهُم نَوعاً من النَّارِ .
يقَالُ : ما بالدَارِ ديَّارٌ ، وَهُو فَيْعَالٌ من الدَّوْرِ ، وأَصْلُهُ : دَيْوَارٌ ، فَفُعِلَ بهِ ما فُعِلَ
هامش
( 1 ) وهي قراءة نافع وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 653 .
( 2 ) قد تقدّم شرح مختصر عن أحوال هذه الأصنام المزعومة في ج 2 ص 117 - 118 .
( 3 ) قرأه أبو رجاء العطاردي . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 162 .
( 4 ) وهي قراءة أبي عمرو وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 653 .
( 5 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 400 .