يَعني الوَقْتَ الذي سَمَّاهُ اللهُ تعالى وضَرَبَهُ أَمَداً ينْتَهُونَ إليهِ لا يَتَجَاوزُونَهُ ، وهو تَمَامُ
الأَلْفِ سَنَة . ثمَّ أَخْبَرَ أَنَّه ( إذَا جَآءَ ) ذلكَ الأَمَدُ ( لاَ يُؤَخَّرُ ) كما يُؤَخَّرُ هذا الوَقْتُ ،
ولَمْ يَكُنْ لكم حِيلَةٌ .
( إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً ) أي : دَائِماً دَائِباً من غَيْرِ فُتُور . ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ
دُعَآئِى إِلاَّ فِرَاراً ) من قُبُولِهِ ، ونِفَاراً منه ، جَعَلَ الدُّعَاءَ فَاعِلَ زيَادَة الفِرَارِ . والمعنى :
أنَّهم ازدَادوا عندَهُ فِرَاراً ، ونَحوُهُ قَولُهُ : ( فَزَادَتْهُم رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) ( 1 ) . ( كُلَّمَا
دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) أي : ليتُوبُوا عن كُفْرِهِم فَتَغْفِرَ لَهُم ، فَذَكَرَ المُسَبِّبَ الذي هو
حَظُّهُم خَالِصاً ليكُونَ أَقْبَحَ لإِعْراضِهِم عنْهُ ( جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ ) لئلاَّ
يَسْمَعُوا كَلامي ودُعائي ( وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ) تَغَطَّوا بها لئلاَّ يَرْوني ، كأنَّهم طَلَبوا أَن
يَغْشَاهُم ثيَابُهُم ( وَأَصَرُّواْ ) ودَاومُوا على كُفْرِهِم ( وَاسْتَكْبَرُوا ) وأَخَذَتْهُم العِزَّةُ
من اتِّبَاعِي ، وذِكْرُ المَصْدَرِ تأْكيدٌ ودلاَلَةٌ على فَرْطِ استكبَارِهِم وعُتُوِّهِم .
ابتَدَأَ ( عليه السلام ) في دَعْوَتِهِم بالأَهْوَنِ وتَرقَّى إلى الأَشَدِّ ، وذلك أنَّه نَاصَحَهم في السِّرِّ ،
فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا ثنَّى بالمُجَاهَرَةِ ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْثّرْ ثلَّثَ بالجَمْعِ بين الإِسْرارِ والإِعْلانِ .
ومعنى ( ثُمَّ ) الدَلاَلَةُ على تَباعُدِ الأَحْوالِ ، فإنَّ الجِهَارَ أَغْلَظُ من الإِسْرَارِ ، والجَمْعُ
بين الأَمْرَيْنِ أَغْلَظُ من إِفْرَادِ أَحَدهما . و ( جهَاراً ) مَصْدَرُ ( دَعَوْتُهُمْ ) لأنَّه أَحَدُ
نَوْعَيْ الدُّعَاءِ ، فَنُصِبَ بهِ كَمَا يُنْصَبُ القُرْفُصَاءُ ( 2 ) ب ( قَعَدَ ) ، لِكَوْنِها أَحَدَ أَنْواعِ
القُعُودِ ، أو : لأنَّه أَرادَ ب ( دَعَوتُهُمْ ) جَاهَرْتُهُم ، ويَجُوزُ أَن يكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ
" دَعَوْتُ " أي : دُعَاءً جِهَاراً مُجَاهَراً بهِ .
هامش
( 1 ) التوبة : 125 .
( 2 ) قال في الصحاح : القُرفُصاءُ : ضربٌ من القعود ، يمدّ ويقصر ، فإذا قلت : قَعَد فلانٌ القرفُصاءَ
فكأنّك قلت : قعد قعوداً مخصوصاً وهو أن يجلس على أليتَيْه ويُلصق فَخِذِيْه ببطنِهِ ويحتبي
بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبى بالثوب ، تكون يداه مكان الثوب . ( مادة : قرفص ) .