المُذَابَةِ ( 1 ) . ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ) كالصُّوفِ المَصْبُوغِ أَلْواناً ، لأنَّ الجِبَالَ
( جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ . . . وَغَرابِيبُ سُودٌ ) ( 2 ) ، فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجوِّ أُشْبِهَتِ
العِهْنَ المنْقُوشَ إذا طيَّرتْهُ الرِّيحُ .
( وَلاَ يَسْئلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) ولا يقُولُ لَه : كيفَ حالُكَ ، ولا يُكَلِّمُهُ ، لأنَّ كلَّ
إنسان مشغُولٌ بنَفسِهِ عن غَيْرِهِ . ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أي : يَبْصُرُونَ الأَحِمَّاءَ والأَقْرباءَ فَلاَ
يَخْفَوْنَ عليهم ، فلا يَمْنَعُهُم من المسَاءَلَةِ أَنَّ بعْضَهُم لا يَبْصُرُ بَعْضاً ، وإنَّما يَمْنَعُهُم
التَّشَاغُلُ ، وقُرِئَ : " ولا يُسأَل " على البناءِ للمفْعُولِ ( 3 ) ، أي : لا يُقَالُ لِحَميم : أَيْنَ
حَميمُكَ ؟ ولا يُطْلَبُ منه ، لأنَّهم يُبَصَّرونَهم فلا يَحتَاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَلَبِ . وهو
كَلامٌ مستَأْنَفٌ ، كأنَّه لمَّا قَالَ : ولا يَسْأَلُ حَميمٌ حميماً قيلَ : لَعلَّهُ لا يُبْصِرُهُ ، فَقيلَ :
يُبَصَّرُونَهم ، ولكنَّهم لِتَشَاغُلِهِم لم يَتَمكَّنُوا من تَسَاؤُلِهِم .
قُرِئَ : ( يَوْمَئذ ) بالجرِّ والفَتْحِ ( 4 ) على البناءِ للإِضَافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّن ، أي :
يَتَمَنَّى ( الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ ) ذلك اليَوْمِ بإسلامِ كلِّ كَريم عليهِ من أبنائِهِ
وزَوْجتِهِ وأَقْربائِهِ ( وَفَصِيلَتِهِ ) عَشيرَتِهِ الأَدْنَوْنَ الَّذين فُصِلَ عنْهم ( تُئْوِيهِ ) أي :
تَضُمُّهُ انتِمَاءً إليها أو لِيَاذاً بها في النَّوائِبِ . ( يُنْجِيهِ ) عَطْفٌ على ( يَفْتَدِى ) أي :
يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الافْتِدَاءُ ، وقَولُهُ : ( وَمَنْ فِي الأْرْضِ ) و ( ثُمَّ ) لاستِبْعَادِ
الإِنْجَاءِ ، والمعنى : يَتَمَنَّى لَو كانَ هؤلاءِ جميعاً تَحْتَ يَدِه وبَذَلَهُمْ في فِدَاءِ نَفْسِهِ ،
ثم يُنْجيهِ ذلكَ ، وهَيْهَاتُ أَن يُنْجِيهِ .
هامش
( 1 ) حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 6 ص 92 .
( 2 ) فاطر : 27 .
( 3 ) هي قراءة ابن كثير برواية البزّي عنه وأبي جعفر وشيبة . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 650 .
( 4 ) وبفتح الميم قرأه الكسائي ونافع في بعض الروايات . راجع المصدر السابق .