المفْعُولَيْنِ جَميعاً ، كقَولِكَ : عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرو ، و ( أَحْسَنُ عَمَلاً ) أي : أَخْلَصُ
وأَصْوَبُ ، والخَالِصُ أَن يكُونَ لِوَجْهِ اللهِ ، والصَّوابُ أن يكُونَ علَى الوَجْهِ
المأْمورِ بِهِ .
وعن النَّبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنَّه تَلاَها ثمَّ قَالَ : " أَيُّكُم أَحْسَنُ عَقْلاً ، وأَوْرَعُ عن مَحَارمِ
اللهِ ، وأَسْرَعُ في طَاعَةِ الله " ( 1 ) والمعنى : أَيُّكُم أَتَمَّ عَقْلاً عن اللهِ وفَهْماً لأَغْراضِهِ .
والمُرادُ : أنَّه أَعْطَاكُم الحياةَ التي تَقْدرُونَ بها على العَمَلِ ، وَسَلَّطَ عليكُم المَوْتَ
الذي هو داعِيكُم إلَى اختيارِ العَمَلِ الحَسنِ على القَبيحِ ، لأنَّ وَرَاءَ المَوْتِ البَعْثُ
والجَزَاءُ . ( وَهُوَ الْعَزيزُ ) الغَالِبُ الذي لا يُعْجِزُهُ مَن أَسَاءَ العَمَلَ ( الْغَفُورُ ) لِمَنْ
يَتَفَضَّلَ عليهِ من أَهْلِ الإِسَاءَة .
( طِبَاقاً ) مِن : طَابَقَ النَّعْلَ : إذا خَصَفَها طَبَقاً على طَبَق ، أي : مطَابَقَةً بَعْضُها فَوْقَ
بعض ، وهو وَصْفٌ بالمَصْدِر ، أو : ذَاتَ طِبَاق ، أو : طُوبِقَتْ طِبَاقاً ( مِنْ تَفَوُت )
وقُرِئَ : " مِنْ تَفَوُّت " ( 2 ) ومعنَاهُمَا واحِدٌ ، مِثْلُ : تَظَاهُر وتَظَهُّر ، وتَعَاهُد وَتَعهُّد ، يُريدُ :
من اختلاف واعْوِجَاج واضطِرَاب في الخِلْقَةِ ، إنَّما هي مستَقِيمةٌ ومستَويةٌ كلُّها ،
وحقيقةُ التَّفَاوتِ عَدَمُ التَّناسبِ ، كأَنَّ بَعْضَهُ يُفَوِّتُ بَعْضاً ولا يُلائِمُهُ ، ونَقيضُهُ :
مَتَناصِفُ ، وأَصْلُهُ : مَا تَرَى فِيهِنَّ مِنْ تَفَاوُت ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ موضِعَ المُضْمَرِ تَعظيماً
لِخَلْقِهِنَّ ، وتَنْبيهاً على أنَّ سَبَبَ سَلاَمَتِهِنَّ من التَّفاوتِ أنَّهنَّ خَلْقُ الرَّحمانِ .
والخِطَابُ فيما تَرى للنبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكلِّ مُخَاطَب ( فَارْجِعِ الْبَصَرَ ) وَأَدِرْها
في خَلْقِ الرَّحمانِ حتَّى يَصِحَّ عنْدَكَ ما أُخْبرْتَ بهِ بالمَعَايَنَةِ ( هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور )
مِن صُدُوع وَشُقُوق ، جَمْعُ " فَطْر " وهو الشَّقُّ ، وقُرِئَ بإدْغَامِ اللاَّمِ في التاءِ ( 3 )
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره : ج 7 ص 7 باسناده عن ابن عمر .
( 2 ) قرأه حمزة والكسائي . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 644 .
( 3 ) قرأه أبو عمرو وحده . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 1 ص 233 .