( بِالْحَقِّ ) أي : بالغَرَضِ الصَّحيحِ والحِكْمَةِ البالغَةِ ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُم ) بأَنْ جَعَلَكُم أَحْسَنَ الحَيَوانِ وأَبْهَاهُ ، بِدَليلِ أنَّ الإِنسانَ لا يَتَمَنَّى أَن يكُونَ
صُورَتُهُ على صُورةِ جِنْس آخَرَ من الحَيَوانِ .
نَبَّهَ سبحانَهُ بِعِلْمِهِ ( مَا فِي السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ ) ثمَّ بِعِلْمِهِ مَا يُسِرُّهُ العِبَادُ وَمَا
يُعْلِنُونَهُ ثمَّ بِعِلْمِهِ ذَوَاتِ الصُّدُورِ أنَّ شيئاً من الكُلِّياتِ والجُزْئياتِ لا يَعْزبُ ( 1 ) عن
عِلْمِهِ ولا يَخْفى عليهِ ، فَحَقُّهُ أَن يُتَّقى ويُحْذَرَ من مَعْصيَتِهِ .
( أَلَمْ يَأْتِكُمْ ) خِطَابٌ للكُفَّارِ . و ( ذَلِكَ ) إشَارَةٌ إلى ما ذُكِرَ من الوَبَالِ الذي
ذَاقُوهُ في الدُّنيا ، وما أَعَدَّهُ اللهُ لهم من عَذَابِ الآخِرَةِ ( بِأنَّهُ ) بأَنَّ الشَّأْنَ والحديثَ
( كَانَتْ تَّأَتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِ ) ، ( أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ) أَنْكَروا أَن يكُونَ الرُّسُلُ بَشَراً ،
ولَمْ يُنْكِروا أَن يكُونَ اللهُ ( 2 ) حَجَراً . و " البَشَرُ " يَقَعُ على الوَاحِدِ والجَمْعِ ( قَالُواْ مَآ
أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ) ( 3 ) ، ( وَاسْتَغْنَى اللهُ ) أَطْلَقَ اللَّفْظَ ليَتَنَاوَلَ كلَّ شيء ، ومِنْ
جُمْلتِهِ : إيْمانُهُم . . . وطَاعَتُهُم ، والمُرادُ : وظَهَرَ استِغْناءُ اللهِ حيثُ لَمْ يَضْطَرَّهُم إلى
الإِيْمانِ مع قُدْرتِهِ على ذلكَ .
الزَّعْمُ : ادِّعاءُ العِلْم . وفي الحَديثِ : " زَعَمُوا " مَطيَّةُ الكَذِبِ ( 4 ) . ( أَنْ لَنْ
يُبْعَثُواْ ) أنَّهم لَنْ يُبْعَثُوا ، أو : سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( زَعَمَ ) ، ( بَلَى ) إثْباتٌ لِمَا بَعْدَ
( لَنْ ) وهو البَعْثُ ( وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) لا يَصْرفُهُ عنْهُ صَارِفٌ .
( وَالنُّورُ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) هو القُرآنُ . وقُرئ : " نَجْمَعُكُم " ( 5 ) ، و " نُكَفِّرْ عَنْهُ " ،
هامش
( 1 ) في نسخة : " لا يغرب " .
( 2 ) في نسخة : " الإله " .
( 3 ) يس : 15 .
( 4 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 548 مرسلاً .
( 5 ) بالنون هي قراءة يعقوب وحده . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 722 .